هجوم قزوين يربط الحربين:
اعتداء أوكراني على سفينة إيرانية ينذر بتوسع رقعة الصراع
في خرق ميداني لافت لشريان الإمداد بين طهران وموسكو، ينذر هجوم أوكراني على سفينة إيرانية في بحر قزوين بربط أعمق بين الصراعين المفتوحين في شرق أوروبا والشرق الأوسط
سعيد محمد*
مع تعرض سفينة شحن إيرانية لضربة عسكرية بعيدة المدى نفذتها القوات الأوكرانية في مياه بحر قزوين – الموصوف تاريخياً بالملاذ الآمن لممرات الإمداد والتجارة المباشرة بين طهران وموسكو – يخشى مراقبون الآن من توسع رقعة الصراع الذي أطلقه العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران نهاية فبراير/ شباط الماضي وتداخل الحربين في شرقي أوروبا والشرق الأوسط.
وكانت مسيرات الجيش الأوكراني قد استهدفت سفينة تجارية إيرانية أثناء تحركها في المسطح المائي المغلق انطلاقاً من منطقة أستراخان الروسية، الأمر الذي أسفر عن انفجار السفينة ومصرع أحد البحارة مع إصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.
ويشكل بحر قزوين الشريان الحيوي الأهم لتجارة إيران الشمالية في ظل التضييق الخانق الممارس على موانئها الجنوبية. وتنبع أهمية هذا الممر من كونه نافذة نائية لتلقي البضائع الواردة عبر السكك الحديدية من أراضي آسيا الوسطى والصين بعيداً عن الرقابة البحرية الغربية.
وتزامنت أحداث قزوين مع تصاعد المعارك البحرية في البحر الأسود، حيث استهدفت القوات الروسية البنية التحتية لموانئ أوديسا وإسماعيل وميكولايف، متسببة في غرق “غولدن ليو” السفينة الحاملة لعلم غينيا بيساو ومصرع عدد من طاقمها، إضافة إلى تعليق تحميل ناقلات النفط في محطة “شيشخاريس” بنوفوروسيسك نتيجة النشاط المكثف للطائرات المسيرة الأوكرانية.
اعتداء قزوين أثار غضب طهران، التي سارعت وزارة خارجيتها إلى استدعاء القائم بالأعمال الأوكراني لتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة وصفت الاستهداف ب”العمل العدائي والإجرامي الصريح”. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اتصالات هاتفية مكثفة أجراها مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن هذا الخرق الأوكراني لميثاق الأمم المتحدة يستوجب رداً حتمياً وحازماً لحماية المصالح الوطنية الإيرانية والأمن القومي. وطالب الوزير مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي بتحمل المسؤولية والتحرك المباشر لمكافحة هذه المغامرات العسكرية المحفوفة بالمخاطر، محذراً من اتساع رقعة الصراع الإقليمي ومتهماً الحكومة الإسرائيلية بتحريض كييف على شن هذه الضربات بغية جرف الدول الأوروبية نحو الصراع الإقليمي المشتعل في الشرق الأوسط.
وأكد عراقجي أن السفينة المستهدفة وسيلة نقل تجارية محض تؤدي مهاماً مدنية اعتيادية، معرباً عن شكره للسلطات المحلية في منطقة أستراخان الروسية لقاء تقديمها المساعدة اللوجستية والطبية لطاقم السفينة المنكوبة.
رافق هذا التحرّك الدبلوماسي ضغط سياسي وشعبي متصاعد داخل إيران، إذ طالب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي بفرض تكلفة باهظة على كييف، مشدداً على أن “طهران تمتلك خيارات ردع حاسمة ستستوعبها أوكرانيا قريباً”. وارتفعت مطالبات في أوساط سياسية وإعلامية في طهران تدعو لاستخدام صواريخ “خيبر شكان” الباليستية في عمليات انتقامية موجهة، أو رد الصاع لكييف في مياه البحر الأسود كمعادلة ردع متكافئة تتناسب مع خطورة الهجوم على خطوط الملاحة الإيرانية، مع مراجعة السقف الذاتي المحدد لمدى الصواريخ الإيرانية والمقدر بألفي كيلومتر.
ويُضيف هذا الهجوم إلى حالة الاحتقان التاريخي المتراكمة بين البلدين نتيجة التداعيات السابقة لحادثة إسقاط طائرة ركاب أوكرانية قرب العاصمة الإيرانية، والاتهامات بتزويد طهران الجيش الروسي بتكنولوجيا المسيرات من طراز “شاهد”.
من جهته، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحقيق قواته نتائج وصفها بالقوية والفاعلة عبر ضربات بعيدة المدى استهدفت سفناً مخصصة لنقل الشحنات العسكرية المتجهة إلى إيران إضافة إلى سفينة حربية روسية في مياه بحر قزوين. وصرح السفير الأوكراني لدى إسرائيل إيفجين كورنيتشوك بأن السفينة المستهدفة كانت تحمل على متنها مكونات تقنية مخصصة لصناعة الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة، الأمر الذي يجعلها هدفاً عسكرياً مشروعاً للجيش الأوكراني، متوقعاً استمرار مثل هذه العمليات الهجومية في المستقبل لحرمان موسكو وطهران من خط الإمداد الاستراتيجي بينهما.
وأضاف الرئيس الأوكراني أبعاداً أكثر تعقيداً لهذه المواجهة عبر كشفه عن معطيات استخباراتية تفيد بتقديم روسيا صوراً فضائية من التقاطات الأقمار الصناعية للقواعد العسكرية الأمريكية ودول الخليج في البحرين والأردن والكويت لصالح طهران. وزعم زيلينسكي أن تقييمات بلاده تظهر وجود تقاطع مباشر بين المراقبة الروسية والتوقيتات الزمنية للهجمات الإيرانية قبل تنفيذها وبعدها لتقييم حجم الأضرار المادية.
ويمتد الدور الأوكراني في المنطقة إلى تقديم الخبرات العسكرية المتقدمة في مجال اعتراض الطائرات المسيرة لدول الخليج عبر اتفاقات أمنية صادق عليها زيلينسكي خلال زياراته الرسمية للسعودية والإمارات وقطر.
ويقول خبراء إن نظام كييف، ومن خلال مشاركة هذه المعلومات الاستخباراتية مع الشركاء الغربيين وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يسعى إلى إثبات عمق التحالف العسكري بين موسكو وطهران، بغية تحفيز التيار المحافظ في واشنطن لزيادة الدعم العسكري لكييف وتضييق الخناق على التحركات الروسية الإيرانية الثنائية، تزامناً مع تحذيراته بشأن استقدام روسيا آلاف الجنود الكوريين الشماليين لتعزيز جبهاتها الأمامية.
على أن هذه الادعاءات الأوكرانية أتت في وقت عبر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ثقته بامتناع روسيا والصين التام عن توريد الأسلحة إلى طهران بناءً على تفاهمات شخصية مع الرئيسين شي جين بينغ وفلاديمير بوتين، الأمر الذي أظهر تبايناً واضحاً بين الرواية الأمريكية الرسمية والقراءات الاستخباراتية الواردة من كييف.
خبراء في الشؤون الاستراتيجية تحدثوا للصحف اعتبروا أن الضربة الأوكرانية في قزوين تحمل تفسيرات متعددة، أبرزها رغبة كييف في تقديم نفسها كشريك أمني فاعل للولايات المتحدة يمتلك القدرة على إرباك حلفاء موسكو، مع ترجيح حصول العملية على ضوء أخضر وتنسيق لوجستي من واشنطن وعواصم غربية. وهم يرون إن القيادة الإيرانية تجد نفسها نتيجة لهذا الهجوم أمام خيارات معقدة تشمل إمكانية الاعتراف الرسمي بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم وإقليم الدونباس، أو التوسع في التعاون العسكري مع موسكو، أو توجيه ضربات انتقامية تستهدف المصالح والملاحة المرتبطة بأوكرانيا في مساحات مائية أخرى، ما يهدد بتداخل الجبهات ودمج الحرب الروسية الأوكرانية مع المواجهة الإيرانية الأمريكية في صراع دولي واحد متعدّد الأبعاد وتكاملي التأثير.
هذا، وعلى الرغم من التراجع الطفيف لأسعار خام برنت لتستقر عند مستوى اثنين وتسعين دولاراً للبرميل بعد إعلان المبعوث الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز تعليق الرئيس ترامب للضربات المباشرة إفساحاً للمجال أمام الوساطة العُمانية بشأن الهدنة وإدارة الملاحة في مضيق هرمز، تضيف الضربة الأوكرانية مزيداً من الضغوط على خطوط الملاحة وأسواق الطاقة الهشة. يأتي ذلك في وقت تكتنف فيه المخاطر مسارات التهدئة الإقليمية مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، واشتراط المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إنهاء العمليات العسكرية في لبنان للتوصل إلى أي اتفاق دائم، وسط مؤشرات متزايدة على تجدد التصعيد في مياه باب المندب والبحر الأحمر نتيجة لتبادل الهجمات الأحدث بين السعودية واليمن.
2026-07-29