نحن و فرنسا ومنغوليا !
عارف معروف.
كتب صديق مخلص من الكتاب والناشطين الاعلاميين متسائلا، كما كتب غيره في ذات المنحى ، رغم اختلاف العبارة : لماذا التخوف من رمي الحجارة وحرق الاطارات وغلق الطرق والجسور والمدارس والمؤسسات وما اليها من اعمال الاحتجاج التي يمارسها الشباب المنتفض ، في حين ان المتظاهرين في ارقى المجتمعات الاوروبيه لايقذفون الحجارة فحسب وانما قنابل المولوتوف الحارقه وبشكل مباشر على القوات الامنية ، وقد وجدوا الاسناد والموآزرة من لدن المثقفين والقوى الطليعية في فرنسا ، مثلا ، ابان الثورة الطلابية في فرنسا 1968 !
يغفل هذا الصديق ، الذي لا اشك في اخلاصه ، مثلما يفعل غيره من الكثيرين الذين يقارنون بين مجتمعنا وتلك المجتمعات ، في شتى المجالات ، ويخلصون الى نتائج ترضيهم ، واقع طبيعة وعمر الدولة الوطنية في تلك الدول والمجتمعات ، وتجذر مؤسساتها ومؤسسات المجتمع السياسية والنقابية على مدى قرون وليس عشرات السنين ، وينسون ان الممارسة الديمقراطية واعرافها وتقاليدها ثابتة وصلدة في فكر وممارسة الحاكم والمحكوم ولائحة الحقوق والواجبات محفوظة في العقول والعادات والسلوك ولا تحتاج الى اعادة تلقين وتبليغ يومية لانها تُنسى ويتم انتهاكها وتجاوزها في كل لحظة ومن قبل الجميع ، على السواء !
وينسى هذا الصديق المحترم ، مع غيره ممن يرى ذات النظرة ، واقعا مخيفا نعيشه نحن العراقيون ، هو واقع تحلل الدولة وتفكك اواصر وحدة المجتمع واضمحلال عناصر ورموز وحدته وتقاعله التي طالما امدّت ابناءه بشعورالوحدة والانتماء مثل الجيش الوطني العراقي الذي طالما كان بوتقة تعارف وانصهار العراقيين من مختلف القوميات والاديان والطوائف والانتماءات مثلما كان والى حد غير قليل مصدر معاناة مشتركة ونبع ذكريات حلوة ومرة ايضا ، وتلاشي ” المدرسة ” الوطنية ، تلك المؤسسة التي كانت هي الاخرى ، وعلى علاتها ، مشغل اعداد العراقيين وتهيأتهم فكريا وثقافيا وسياسيا وكذلك اعدادهم لحياة مهنية واجتماعية فاعلة ومتفاعلة ، ذلك الجيش وتلك المدرسة اللتان رأى فيهما فيصل الاول ، بنظر ثاقب وحنكة ، حجرا الزاوية في بناء مجتمع وطني ودولة وطنية وعمل على ذلك بهّمة ودراية حتى اعطيا اولى ثمارهما مع العقد الرابع والخامس من القرن المنصرم !
فلماذا نعرب في كل مناسبة عن اسفنا واحتجاجنا على قرارات سلطة الاحتلال في حلّ الجيش الوطني كمؤسسة ولا نحفل بتدمير ” المدرسة ” ونريد تلاشي دورها وفاعليتها ، اما اذا أُحتج بان واقعها بائس ولا يلبي الطموح ، فهل الحل في تقويضها دون بديل ؟!
رحم الله لينين واسكنه فسيح جناته فقد اصاب كبد الحقيقة حينما ابتسم في وجه الوفد المنغولي الذي زاره في مطلع العشرينات ليبشره بتأسيس حزب شيوعي ” للبروليتاريا ” المنغولية قائلا : ليس لديكم بروليتاريا بعد ايها الرفيق ، وسيكون تأسيس حزب برجوازي هو اكثر ما تحتاجه منغوليا حاليا !
2020-02-15