من نصّ: صناعة الخوف!
إدواردو غاليانو.
ترجمة . أسامة إسبر .
(في كولومبيا، تبيع الصناعة المزدهرة للسترات الواقية من الرصاص المزيد من قياسات الأطفال). وترصد المراقبة الإلكترونية من خلال الكاميرات وأجهزة أخرى الأمور في أمكنة مختلفة. ويشرف عليها أفراد وأعمال، ناهيك عن الدولة. ففي الأرجنتين ينفق الموظفون العشرة آلاف لوكالات الأمن في البلاد عشرة ملايين دولار في اليوم للتجسس على الناس: يرصدون الهواتف ويصوّرون ويسجّلون. ولا تتورّع أي بلاد عن استخدام الأمن العام كذريعة أو حجة. وتُزرع الكاميرات والميكروفونات الخفية في المصارف والسوبرماركات، والمكاتب والستادات، وأحياناً تلاحق الناس إلى داخل غرف نومهم. هل يوجد عين مخبأة في ريموت كونترول التلفزيون؟ هل هناك آذان تصغي من المنافض؟ أقرّ بيلي جراهام الذي يكسب الملايين من أحاديثه حول فقر المسيح على شاشة التلفزيون أنه يتحلى بالحذر حين يتصل بالهاتف وحتى حين يتحدث مع زوجته في السرير. “إن عملنا ليس تعزيز الأخ الكبير“، كما أصرَّ ناطق باسم جمعية الصناعة الأمنية الأميركية مدافعاً. وفي روايته التنبؤية التي ألفها منذ نصف قرن، تخيل جورج أورويل مدينة يستخدم فيها الأخ الأكبر التلفزيون كي يراقب الجميع. وضع لها عنوان 1984، لكن ربما لم يكن مصيباً في التاريخ.
من هم السجانون ومن هم المسجونون؟ نحن جميعاً مسجونون بطريقة أو بأخرى، وهذا ينطبق على من هم في السجن ومن هم خارجه. كيف يمكن أن يكون سجناء الحاجة أحراراً، بما أنهم يعيشون كي يعملوا ولا يستطيعون تأمين ترف أن يعملوا كي يعيشوا؟ وكيف يكون كذلك سجناء اليأس، الذين ليس لديهم عمل ولن يكون لديهم عمل أبداً، والذين لا يعيشون إلا من خلال السرقة أو المعجزة؟ وماذا عن سجناء الخوف، هل نحن أحرار؟ ألسنا جميعاً سجناء الخوف، سواء كنا في القمة، أو في الحضيض، أو في الوسط، أيضاً؟ في مجتمعات تعيش وفق مبدأ كل شخص يخدم مصلحته الخاصة، نحن جميعاً سجناء، المحروسون والحراس، المختارون والمنبوذون. رسم رسّام الكاريكاتير الأرجنتيني نيك صحفياً يحاور رجلاً يمسك بقضبان نافذة في منزله:
“ركّبْنا جميعنا قضباناً وكاميرات مراقبة وأضواء كاشفة، وأقفالاً مزدوجة، وزجاجاً ملوناً…”
“ألا يأتي أقرباؤك إلى هنا؟”
“نعم، ثمة ساعات محددة للزيارة”.
“وماذا يقول رجال الشرطة؟”
“إذا حافظتُ على سلوكي الجيد أستطيع الذهاب صباح الأحد إلى البقالية”.
شاهدتُ قضباناً في أكواخ في حارات مدن الصفيح مصنوعة من نشارة الخشب والقصدير، لفقراء يدافعون عن أنفسهم من الفقراء.
إن التنمية الحضرية تولّد اللامساواة: ففي الضواحي، تنشأ الأكواخ الحقيرة والحدائق جنباً إلى جنب. وتُشيّد الضواحي الغنية في أمكنة ليست بعيدة عن حارات الصفيح التي تزودها بالخادمات والحدائقيين والحراس. وفي أمكنة اليأس، أولئك الذين يأكلون فقط بين فينة وأخرى يكمنون منتظرين. وفي أمكنة الامتيازات، يعيش الأغنياء رهن الإقامة الجبرية. ففي حي خاص في سان إسيدرو في بوينوس آيرس، نكت الرجل الذي يوزع الصحف: “هل تعيش هنا؟ كلا شكراً. إذا لم يكن لدي شيء كي أخفيه، لماذا سأفعل؟”
تعبر المروحيات سماء مدينة ساو باولو، جيئة وذهاباً، بين سجون الترف المنزلية وسطوح وسط البلد. ذلك أن الشوارع التي سيطر عليها قطاع الطرق والتي سمّمها التلوث صارت مصيدة يجب تجنبها. إن الأغنياء الهاربين من العنف والتلوث مجبرون على العيش مختبئين.
مفارقات الاستعراض: الغنى مخبأ خلف جدران تزداد علواً في منازل دون واجهات، غير مرئي اتقاء لحسد واشتهاء الجميع.
المدن الصغيرة ترتفع على حواف المدن الكبير
2020-12-09