أوراق من سيرة حياة والدتي….. 12!
موسم قطف الزيتون….
أبو علاء منصور.
كان موسم قطف الزيتون مناسبة خير وفرح، لكن القرية تبدو ملبدة بغيوم التوتر، فالناس تراقب بعيون نشطة من اعتادوا التحايل والقطف قبل الموعد المتفق عليه. في موسم الزيتون كان يجري تعيين ناطور للمراقبة ومنع السرقة. وهناك تقليد مُلزم يتوزع بموجبه القطاف على جبهات، يبدأ من مكان وينتقل إلى آخر وهكذا، فيما يُراقب الناطور المناطق الأخرى. وكانت الناس تهب لمساعدة من تأخروا في القطاف لسبب أو آخر. وفي هذا الموسم ينتشر -الجدّادين- واللقّاطات القادمين من قرى الخليل خاصة، كان هؤلاء يتقاضون أُجرتهم زيتاً وليس نقوداً! في هذه الفترة كانت تبدو القرية متألقة. يُفتتح فيها دكان لبيع الحمص والفول والفلافل، وينتشر في أوديتها وسفوح جبالها بائعوا العنب والجوافة، وترقص الغجريات، وهناك من يُلاعب السعادين. كانت الناس تستمتع بذلك مقابل زيتون. أما نحن الصغار فنتلذذ بقلائد الحامض حلو والحلاوة وعلب السردين والترمس، مقابل (شراوي) زيتون يجود بها الأهل، أو (نسرقها) من الكروم. وهناك صندوق العجب. كان موسم الزيتون مهرجان فرح سنوي تنتعش فيه الأرواح وتطرب له القلوب، فيدور المال في الأيادي وتنعقد الزيجات.
ربما كنتُ في الأول الإعدادي حين قيل ذات مساء إن -خوري- في حارة القرية، فاندفعتُ مع الصبية لرؤيته! انتابتني رهبة وقد وجدتُ نفسي أمام شخص بلباس كهنوتي! تسرّع (الخوري) ظاناً أنني كشفته فأشار لي بعينيه: (اسكت). ويا للمفاجأة! إنه أحد شبان القرية الذي اشتهر بسرقة الزيتون! حيلة جهنمية أراد بها إيهام الناس بوجود غرباء ليبعد الشكوك عن نفسه! لماذا اختار التخفي بزي خوري؟ ربما لإضفاء القدسية والرهبة! لم أبُح بالسر، فقد خشيتُ الفتنة ورد فعل الشاب، فالقرية لا تحتمل صبّ مزيد من الزيت على نار توترها في هذا الموسم.
في الفترة ذاتها حضر إلى القرية صديق لوالدي. كان يُتداول اسمه كشيخ جليل، يُلقي الجبل على الجبل كما يقال. بدافع الفضول رافقتُ والدي لرؤيته. كنتُ الفتى الوحيد والحضور رجال، فاخترتُ الجلوس عند مدخل الغرفة. لحظات وراح الشيخ يُقلب رأسه يميناً وشمالاً ويُزمجر كجمل هائج: “الله الله الله الله الله”. كدتُّ أفرّ مرعوباً وقد تخيلته كشف سرّ احتلامي في الليلة السابقة! فتسللتُ بخفة لأنجو! كأن الاحتلام جريمة.
مع تحيات أبو علاء منصور
2020-12-06