آبار المستشرقين والمستغربين!
مهدى مصطفى
لعلها رسالة، مجرد رسالة صغيرة، عنوانها: لا تغرقوا فى آبار المستشرقين، ولا تقعوا فى فخاخ المستغربين، وابحثوا عن طريق مختلف، فالكلام فى الماضي، كما يقول أهل الصعيد، نقصان عقل، والانشغال عن المستقبل مرض ينشره الغرب، ونحن، مع الأسف، نملك تلك المهارة النادرة: الاختلاف على الماضي، وترك المستقبل يتصرف وحده.
رغم أهمية معرفة ما جرى فى الشرق الأوسط خلال القرن العشرين، وما تواصل معنا إلى القرن الحادى والعشرين، فإن اللحظات الحالية حرجة، تستوجب اليقظة الكاملة، فثمة آراء عتيقة تأخذ طريقها إلى الواقع، وكأنها تحدث الآن، وثمة آراء تعمل على إحباط المعنويات، وهى تنتشر ليل نهار على منصات التواصل الاجتماعى والمنصات الموجهة، وتجعل من الهزائم أقدارا مكتوبة على الجبين، وفى كلتا الحالين، الاستشراقية والاستغرابية، نسقط فى فخ محكم، وبئر لا قرار لها.
استطاع الاستشراق أن يغرقنا فى الماضي، بينما راح يرتب أوضاع الحاضر لنفسه، ونحن الآن فى أغسطس، ذلك الشهر الذى حمل مفاجأة مدوية عام 1945، حين أقدمت أمريكا، الدولة الحديثة تماما، على ارتكاب جريمة مرعبة، وهى إسقاط قنبلتين نوويتين على مدينتى هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين، فقتلت فى هيروشيما عشرات الآلاف خلال الساعات والأيام الأولى، ولقى عشرات الآلاف حتفهم فى نجازاكى أيضا، ثم ارتفع عدد الضحايا فى المدينتين خلال الأشهر والسنوات التالية، بسبب الإصابات والأمراض المرتبطة بالإشعاع، حتى صار مجموع القتلى مئات الآلاف، وكانت كارثة ولا تزال.
ها هو شهر أغسطس يمر علينا 2026، بينما تتجدد فى الولايات المتحدة مناقشات حول السلاح النووي، وتوسيع خيارات استخدام الأسلحة النووية منخفضة القوة، أو ما يسمى بالسلاح النووى التكتيكي، ضمن مراجعات وتوجهات فى السياسة النووية الأمريكية، يا لها من فاجعة أخرى، تجعل من الكرة الأرضية كرة لهب فى لحظة واحدة، وكأن البشرية لم تتعلم شيئا، أو لعلها تعلمت ثم قررت أن تنسى، فالنسيان أحيانا أكثر راحة من التعليم.
هل أوبنهايمر، أبو القنبلة الذرية، مرتاح الآن، وهو يطل علينا من العالم الآخر؟
ندم أوبنهايمر، وأدرك أن ما صنعه فتح باب الموت الجماعى على الأرض، وظل بعد هيروشيما ونجازاكى يحمل شعورا عميقا بالمسئولية والقلق، لكنه لم يستطع إغلاق الباب الذى فتحه، ولم ينفع بكاؤه، ولا اعتراضه اللاحق، ولا تحذيره من سباق التسلح النووي، فالأمر خرج عن اليد، وطار إلى عش المجانين.
فتحوا صندوق باندورا فى الشرق الأوسط، فى الوقت الذى يسارعون فيه إلى غزو المستقبل، ثم الانقضاض علينا بثورات مصطنعة، أو بفوضى مرتبة، أو جعل تنظيمات وجماعات تهبط علينا كالقدر بليل أسود، وكلما خرجت جماعة من تحت الأرض، خرج معها تفسير جاهز، وماض جاهز، وبطل جاهز، وعدو جاهز، وكأن مصنع التاريخ يعمل بنظام تحت الطلب.
معرفة الماضى مهمة، بها نعرف المستقبل، ولكن العيش فيه هو الخطر الأكبر، فاللحظة هى لحظة الثورة الصناعية الرابعة الخطيرة، فهناك ثورة اتصالات وتكنولوجيا وفضاء وذكاء اصطناعي، ومن يتأخر لن يجد نفسه.
المفارقة أن العالم يركض نحو المستقبل بأقصى سرعة، بينما ندعو نحن إلى استحضار الماضى بكل تفاصيله، وكأن المستقبل عدو غامض لا بد من تأجيله حتى ننتهى من خلافات الموتى، هم يركضون إلى الغد، ونحن ما زلنا نبحث عن شهود على الأمس.
المعارك الحالية فى الشرق الأوسط تتحول إلى معارك ترف، وفائض قوة، واستدعاء للخرافات، وإنابة عن السماء، بينما يتقدم العالم فى اتجاه آخر، اتجاه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والفضاء والطاقة الجديدة.
دون ريب فإن الغرب لا يريد أن توجد قوة حداثية تناهضه، وكلما حاولت أمة أن تنهض علميا، قتلوا علماءها ودمروا منشآتها، والأمثلة لا تعد ولا تحصى، وهو صراع عبثى سوف يفضي، إن استمر، إلى التعجيل بدمار الكرة الأرضية.
فلا تقعوا فى بئر المستشرقين والمستغربين.
2026 /08 /27