مصر ومبدأ ترامب بين الفرص والتحديات!
د. محمد السعيد إدريس
اعتاد رؤساء الولايات المتحدة على الترويج لـ «مبدأ سياسى» تكون له الأولوية والاعتبار فى إدارة شئون السياسة الخارجية الأمريكية على وجه الخصوص، لكن ما لجأ إليه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من استرجاع للتاريخ كى يؤسس مذهبه يكشف بعمق، عن جوهر شخصية هذا الرئيس وماذا يريد. فقد وجد ترامب ضالته فى الإمبراطور الفرنسى نابليون بونابرت واختار واحداً من أسوأ شعاراته، إن لم يكن أسوأها ، لأن هذا الشعار الذى أعلى نابليون كثيراً من شأنه وحوله إلى «مبدأ» يفاخر به هو الذى قاده إلى حتفه الأليم، وربما يقود أيضاً دونالد ترامب إلى ما هو أسوأ . ففى إشارة منه إلى استمرار مقاومته للقيود المفروضة على سلطته التنفيذية فى مواجهة التحديات القانونية المتعددة، ردد ترامب المقولة الشهيرة لنابليون بونابرت التى قال فيها إن «من ينقذ بلاده لا ينتهك أى قانون». وقد سبق لكثير من القادة والزعماء المستبدين الاستشهاد مرات عديدة بمقولة نابليون بونابرت تلك فى سياقات سياسية وأيديولوجية مختلفة للتبرير والدفاع عن الإجراءات التى ينظر إليها على أنها انتهاك للقواعد القانونية والأخلاقية ضمن ادعاء زائف أنها لمصلحة الوطن. المفزع فى تبنى ترامب هذا الشعار النابليونى وتحويله إلى مبدأ حاكم للسياسة الأمريكية أنه لا يخص فقط المسار التدميرى لمؤسسات «الدولة العميقة» فى الولايات المتحدة مستعيناً بحليفه الملياردير إيلون ماسك ، ولكنه يتعدى الحدود الأمريكية لفرض نهج أمريكى فى العلاقة مع «كل الآخرين» سواء كانوا من الأعداء أو الأصدقاء، لا يأخذ فى اعتباره إلا ما هو يمثل «مصلحة أمريكية» دون أى اعتبار لقوانين أو منظمات أو معاهدات دولية، ودون أى اكتراث لحقوق الآخرين فى السيادة والحفاظ على المصالح الوطنية، كل هذا من أجل «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» كما وعد الأمريكيين. أما ما هو أخطر فهو أن ترامب وهو يعلن تبنى هذا «المبدأ»، سواء كان واعياً أم غير واع، ارتكب جريمة كبرى عندما أعطى ضوءاً أخضر لحليفه بنيامين نيتانياهو رئيس حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلى كى يتبنى هو الآخر هذا المبدأ على المستوى الإقليمى الشرق أوسطى تحت شعار «جعل إسرائيل عظيمة».
وإسرائيل «العظيمة» وفق هذا المبدأ هى أولاً: إسرائيل الكبرى الممتدة من النهر إلى البحر أى المتضمنة الحدود التاريخية للوطن الفلسطينى، دون أى اكتراث بأى حقوق مشروعة للشعب الفلسطيني.
وثانياً؛ هى إسرائيل القادرة على القضاء النهائى على أى مصدر للتهديد يقع ضمن ما يسميه القادة الإستراتيجيون فى كيان الاحتلال بـ«المجال الحيوى الإسرائيلى». وهذا المجال، يشمل كل الوطن العربى من الخليج إلى المحيط. ليس هذا فقط بل والقادرة على منع ظهور أى مصدر داخل هذا المستطيل العربى المتسع وجواره الإقليمى فى إيران وتركيا من إمكانية التهديد سواء فى الحاضر أو المستقبل للأمن وللوجود الإسرائيلى، ونعنى «إسرائيل العظيمة» المأمولة. ثالثاً قدرة كيان الاحتلال على فرض سيطرته على الأمن الإقليمى الشرق أوسطى، وفرض نفسه قوة إقليمية عظمى تملك القرار الإقليمى دون أى مشاركة أو اعتبار لأى من القوى الإقليمية الأخرى.
وإذا كان ترامب فى قناعته بأن «من ينقذ بلاده لا ينتهك أى قانون» قد ورط نفسه وبلاده فى المطالبة بضم كندا لتصبح الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، وضم جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى الخليج الأمريكى، والتجرؤ على الحلفاء الأوروبيين التاريخيين والتوجه لحل منفرد أمريكى مع روسيا للأزمة الأوكرانية دون أى اعتبار لمستقبل حلف شمال الأطلسى، ثم المطالبة بشراء قطاع غزة وتحويله إلى «ريفييرا شرق أوسطية» بعد إخراج أهله عنوة منه وبأموال عربية، فإن بنيامين نيتانياهو فى تبنيه المبدأ ذاته يسعى إلى القضاء نهائياً على القضية الفلسطينية وضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وضم ما يريد من أراض فى جنوب لبنان والقضاء نهائياً على حزب الله فى لبنان وتدمير قدراته العسكرية والتوسع فى احتلال المزيد من الأراضى السورية وإقامة قواعد عسكرية جديدة، وإنهاء أى نفوذ لإيران فى سوريا ولبنان وفلسطين والتوجه إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية وإسقاط النظام الإسلامى الحاكم فى طهران بدعم ومساندة أمريكية لأن هذا كله خطوات وإجراءات كفيلة بجعل إسرائيل عظيمة على نحو ما يريد ترامب جعل أمريكا عظيمة. لذلك لم يكن غريباً أن يعتبر نيتانياهو مساء الأحد (16 فبراير الحالى) أن بلاده «أمام فرصة لتغيير تاريخى يضمن مستقبلها» وأن خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشأن غزة «هى الوحيدة القابلة للنجاح». نيتانياهو قال ذلك بمناسبة موافقة الحكومة الإسرائيلية على تعيين الجنرال إيال زامير رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلى ، وزاد بقوله إن «رؤية ترامب بشأن تهجير عدد كبير من الفلسطينيين من غزة وتحويلها إلى (ريفييرا الشرق الأوسط) لم تكن مفاجئة حيث ناقشها الطرفان (الأمريكى والإسرائيلي) قبل إعلانها، وهى تحمل تغيير كبيراً لإسرائيل». وإذا كان نيتانياهو على قناعة بأن أهم الفرص التى تتيحها الأزمة الحالية الخاصة بمسألة تهجير أهالى غزة تتعلق بآفاق واعدة للتطبيع الإسرائيلى – السعودى دون أى التزام بدعوة إقامة الدولة الفلسطينية فإن إدراكه الحقيقى للتحديات يتعلق بالقدرات العسكرية المتنامية للجيش المصرى، ولما يمكن تسميته «نهضة الوعى» المصرية الجديدة المتعلقة بضرورة أن تعود مصر مجدداً قوة إقليمية قوية بظهير عربى مساند. ما تعنيه إسرائيل من تحديات عسكرية مصرية تجاوزت المخاوف من تصاعد الوجود العسكرى القوى داخل سيناء إلى ما تروجه إسرائيل من منظومات تطوير التسليح المصرى بتكنولوجيا روسية أو صينية. من هنا تجىء ضرورة التحذير من مخاطر تلك الحملة التى تشنها أوساط موالية لإسرائيل فى الحزبين الديمقراطى والجمهورى بشن حملة تشريعية جديدة عبر إيداع نسخة من مشروع قانون مقترح وجديد باسم «الشراكة الدفاعية مع إسرائيل» يطالب بضم كيان الاحتلال الإسرائيلى إلى القاعدة التكنولوجية والصناعية الأمريكية بخصوص توسيع الصناعة الدفاعية.
هل يكون ردنا على ذلك هو تحرك وطنى واسع هدفه «جعل مصر عظيمة مرة أخرى» ؟
2025-02-25
