قمة إيفيان:
الدول السبع بين نظام انتهى وآخر لم يولد بعد
على الضفة الفرنسية لبحيرة جنيف، يجتمع قادة الدول الغربية الكبرى في قمة جديدة لهم، وسط ديناميات ما برحت تعصف بأسس النظام الدولي وتضع زعامة الغرب التقليدية أمام تحديات جسام
سعيد محمد*
على ضفة بحيرة جنيف في إيفيان-ليه-بان الفرنسية، يستضيف الرئيس إيمانويل ماكرون القمة السنوية الثانية والخمسين لمجموعة الدول الغربية الكبرى السبع (G7) وذلك خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو/حزيران الجاري بحضور زعماء الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، وكندا، واليابان، وإيطاليا بالإضافة إلى ممثلين عن عدد من دول أخرى ستحضر بصفة مراقب.
وتتداخل في هذه القمة، الملفات الاقتصادية الاستراتيجية مع تداعيات الحرب في أوكرانيا وانعكاسات التصعيد في الشرق الأوسط، إلى جانب ديناميكيات أسواق الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز، لكن الثيمة الأهم التي تحوم فوق جدول أعمالها الرسمي تظل سعي القوى الغربية الكبرى للتوصل إلى (عقد اجتماعي) جديد لعالم غيّرت فيه الولايات المتحدة من نهجها في الهيمنة، وتتعدد فيه مراكز القوة، ويشهد محاولات صعود “القوى المتوسطة” إلى فضاء التأثير عبر أدوات الاقتصاد والطاقة والمعادن الحرجة والدبلوماسية المرنة والموقع الجغرافي الحاسم.
يمنح اختيار إيفيان، التي سبق أن استضافت قمة مجموعة الثماني (حينذاك) عام 2003، طبقة رمزية إضافية لهذا الدورة، إذ تستعيد المدينة الصغيرة المطلة على البحيرة ذاكرة زمن كانت فيه العولمة محور جدل (محسوم) بين الشارع والنخب الغربية الحاكمة، لتعود اليوم إلى الواجهة في سياق مختلف تماماً: حيث سلاسل توريد تخضع لضغوط جيوسياسية متفلتة، وتكنولوجيا متقدمة تكرس طبقية بين شعوب الأرض، وتنافس محموم لتأمين المعادن النادرة، ومراكز مالية تراقب بتوجس فائض الإنتاج الصيني وملفات الديون وتراجع الاستثمار الخاص في الدول النامية وتضخم تكاليف الأمن والغذاء والطاقة.
وكانت الرئاسة الفرنسية قد أعلنت عن قائمة أهداف طموحة لهذه القمة: معالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية، وتأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة، وإعادة التفكير في تمويل “التنمية”، وضبط مسارات الذكاء الاصطناعي، وحماية الأطفال في البيئة الرقمية، وإدراج ملف السرطان كأولوية صحية عالمية على مستوى قادة الدول.
كعادته، يفرض حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيقاعاً خاصاً على الأجواء في إيفيان، سواء بسبب علاقته المتوترة مع الحلفاء الأوروبيين حول التعريفات الجمركية وتقاسم الأعباء الدفاعية، أو نظرته القائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة للشراكات التقليدية، أو الشروط التي يحملها معه إلى القمة، من التجارة مع الهند إلى الملف الإيراني مروراً بملفات الطاقة، والمعادن، والذكاء الاصطناعي، والهجرة.
وتشكل العلاقة بين ماكرون وترامب أحد مفاتيح نجاح القمة من عدمه. إذ انتقلت العلاقة بين الرجلين من مشهد المصافحة الطويلة في ولاية الرئيس الأمريكي الأولى إلى براغماتية عملية في الولاية الثانية تعددت فيها الاشتباكات الشخصية العلنية بينهما. ويحاول الرئيس الفرنسي جاهداً الحفاظ على قناة اتصال مباشرة مع واشنطن، وسيتضيف نظيره الأميركي في عشاء خاص بقصر فرساي عقب المداولات، مدركاً في الوقت نفسه أن مساحات التلاقي الأمريكي-الفرنسي تضيق كلما طرحت ملفات أوكرانيا وإيران والتجارة البينية والمظلة الأمنية الأميركية في أوروبا على طاولة الحوار. باريس، التي عدّلت موعد القمة يوماً كاملاً تماشياً مع جدول ترامب – لتجنب تزامنه مع عيد ميلاده -، اختارت احتواء التوتر عبر إدارة شكل اللقاء قبل مضمونه، استناداً إلى تجربة قمم سابقة حضرها ترامب والتي أثبتت أن النجاح مرهون بقدرة المضيف على ضمان تماسك المجموعة، أقله علناً، مع إصدار بيان ختامي موسع يرضي كل الأطراف.
في الملف الأوكراني، يحضر فولوديمير زيلينسكي إلى القمة بحثاً عن تمويل ودعم عسكري وسياسي إضافي في ظل الحرب المستمرة مع روسيا والتي كأنها دخلت طور استنزاف طويل. وبينما أُعلن عن مشاركة ترامب في جلسة عمل جماعية حول أوكرانيا، فلا لقاء ثنائي رسمياً تمت جدولته حتى الآن مع الرئيس الأوكراني، وهو تفصيل دبلوماسي صغير في شكله لكنه يحمل دلالات مهمة. فكييف تعودت خلال السنوات الماضية على حضور مركزي لها في قلب القمم السبع كاستعراض لمتانة الالتزام الغربي ضد موسكو، بينما تبدو واشنطن الحالية أكثر ميلاً إلى صيغة إنهاء الحرب، وأشد اهتماماً بإعادة ترتيب الأولويات الأميركية ضمن معادلة تجمع التجارة، والطاقة، والحدود، والتكنولوجيا.
في المقابل فإن ملف الشرق الأوسط سيفرض نفسه على مداولات إيفيان، إذ تدفع تداعيات العدوان على إيران وإغلاق مضيق هرمز القادة إلى نقاشات صعبة حول أسعار النفط والغاز وتأمين الملاحة وكلفة الشحن ومخاطر عودة التضخم، وقدرة أوروبا على حماية مصالحها الحيوية في ممرات بحرية بعيدة جغرافياً وقريبة اقتصادياً. ولعل اللقاءات المقررة على هامش القمة مع قادة مصر وقطر والإمارات مؤشر إلى سعي الغرب لتعزيز التنسيق مع الفاعلين الإقليميين القادرين على التأثير في مسارات تصدير الطاقة، والوساطة مع إيران، والتهدئة.
كذلك دُعي زعماء البرازيل والهند وكينيا وكوريا الجنوبية – والرئيس المؤقت لسوريا – لحضور القمة مع غياب ملحوظ لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بسبب ما قالت الرياض أنّه التزامات سابقة، وعتب جنوب-إفريقي لاستبعادها من الحضور.
يمنح ملف الذكاء الاصطناعي هذه القمة ملمحاً تكنولوجياً بارزاً. إذ تسعى فرنسا إلى تثبيت موقعها كمركز أوروبي في هذا المجال، عبر الانخراط مع شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى في نقاشات تتصل بالسلامة الرقمية وحماية القاصرين وتطوير أنظمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وكل ذلك على خلفية جدلية بين الرغبة الأوروبية في التنظيم والسيادة الرقمية، والاندفاع الأميركي نحو فرض التفوق التجاري والتقني، مع حاجة الطرفين إلى معادن حرجة وبنى تحتية للطاقة ومراكز بيانات ضخمة، ما يجعل قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إيفيان موضوعاً اقتصادياً وأمنياً بامتياز بقدر ما هو موضوع تقني.
على الضفة الأخرى من بحيرة جنيف، تظهر سويسرا كطرف يتحمل جزءاً كبيراً من أعباء قمة لا تعقد فعلياً على أراضيها. إذ تصل الوفود عبر مطار جنيف، وتنظم الاحتجاجات في شوارعها، وتتولى الكانتونات السويسرية توفير تدابير أمنية استثنائية واسعة، بينما تبقى برن الرسمية خارج مداولات القمة. ويعزز هذا الوضع من حساسية العلاقة بين فرنسا وسويسرا، خصوصاً مع ذكريات قمة 2003 حين شهدت جنيف أعمال تخريب ومواجهات رافقت احتجاجات مناهضة للعولمة.
وبحسب التقارير الصحافية من إيفيان، تبدو الإجراءات الحالية أقرب إلى حلقة أمنية متكاملة حول البحيرة تربط بين الأمن الفرنسي والسويسري في عملية مشتركة تمتد من البر إلى الماء والجو. وفي الشارع، تتحرك قوى مناهضة للقمة تحت مظلة ائتلاف “لا لمجموعة السبع” (No G7) الذي يضم أكثر من ستين جمعية ونقابة وحركة يسارية وبيئية ونسوية ومناهضة للرأسمالية، حيث يتوقع وصول ما يقرب من 50 ألف متظاهر.
وتشمل الاستعدادات في جنيف للتعامل مع احتجاجات محتملة تصفيح واجهات المحال والمصارف والمؤسسات الثقافية، وإعادة تنظيم مسار التظاهر بعيداً عن المربع التجاري والدبلوماسي الأكثر حساسية. كما ورفضت السلطات إقامة مخيم احتجاج دائم، ورفعت جاهزية المستشفى الرئيسي في المدينة عبر إضافة خيام مؤقتة.
في إيفيان، إذن بحيرة تبدو هادئة على السطح، بينما تمور كواليس قمتها بتيارات وديناميّات فيما يشبه فترة خلو العرش: المرحلة الحرجة بين موت نظام (عالمي) قديم وولادة آخر. وهي مرحلة قال عنها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أنها تأتي زاخرة بالهواجس الموحشة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-06-16