سر التناقض في تصريحات طرامب!
هاني عرفات
يبدو أن سلوكيات و تصريحات ،الرئيس الأميركي عصية على الفهم ، لدى الكثير من المتابعين له، ولهذا الاستعصاء ما يبرره للوهلة الأولى، بسبب التناقض الحاد ، بين مضامين التصريحات من ناحية، وبين كثافتها غير المعهودة من ناحيةٍ أخرى.
غالباً، ردود الفعل على هذه التصريحات، تثير ردود فعل متناقضة أيضاّ، فهي أحياناً تثير الغضب، وأحياناً أخرى تثيرالسخرية والضحك، وفي الغالب الذهول والاستهجان.
أمّا التفسيرات المطروحة لهذه الأحجية، فهي تتراوح ما بين الاعتقاد بسذاجة وغباء الرئيس الأميركي، وما بين الاعتقاد بأنه يمارس الخداع والتضليل، وهي قد تحتوي على جزء من هذا وذاك، لكن الأسباب الحقيقية تتعدى هذين الأمرين.
بادئ ذي بدء، علينا أن نفهم شخصية هذا الرئيس، التي تختلف عن غيره من الرؤساء الاميركيين، من حيث التكوين النفسي، ومن حيث التجربة، والطريق التي أوصلته ، إلى سدة الحكم، وعلاقته بالدولة العميقة، أي المؤسسة، أو مجموعة المؤسسات ، التي يستند لها نظام الحكم في الولايات المتحدة.
قد لا يختلف إثنان، على أن هذا الرئيس، يمتلك نرجسية عالية جداً، ولديه قناعة راسخة، بأنه هو شخصياّ ، وليست المؤسسة بما فيها إدارته، قادر على اجتراح المعجزات، وإعادة الدور المفقود لبلاده في الساحة الدولية، وأن هذه العودة بمعنى فرض الهيمنة، لا تمر عبر القنوات الدبلوماسية الناعمة، ومن خلال الترويج للقيم الاميركية، أو طراز الحياة الاميركي، كما جرت العادة، وإنما من خلال استثمار القوة الخشنة الاقتصادية والعسكرية، التي تمتعت بها بلاده، منذ انتهاء الحرب الباردة.
جزء من هذا يعود أيضاً ، إلى خلفيته المهنية، كرجل أعمال في مجالي العقارات والأسواق المالية، حيث يتم عقد الصفقات، من منطلق القوة والتحكم المطلق، واتخاذ القرارات السريعة، والبعد كل البعد، عن أي نوع من الأخلاقيات .
عندما أتى إلى السلطة في المرّة الأولى، كان شعاره، إعادة المجد لأمريكا، من خلال إدارة ، تعتمد على مفاهيم رجال الأعمال، لا رجال السياسة، وكان يردد دائما، أن إدارته سوف تعمل، على تجفيف المستنقع في واشنطن، في إشارة إلى السياسيين المحترفين، الذين يتبادلون الأدوار في إدارة الدولة.
رغم ذلك، إلا أنه استعان في إدارته الأولى، بعدد من هؤلاء السياسيين، إلا أنه سرعان ما إصطدم معهم، وقام بإقالة عدد منهم من مناصبهم، وقد تعلم من هذه التجربة، في دورته الثانية، حيث اعتمدت إدارته الثانية، على شخصيات من خارج هذه الدائرة، وغالباً ما كان معيار الاختيار، يستند إلى الولاء الشخصي، ولكن من نفس المنظومة الأيديولوجية، هؤلاء أيضاً ينتمون إلى الدولة العميقة، و يرتبطون بإرتباطاتها ،لكنهم ليسوا من الحرس القديم، هم حرس جديد، يدينون بالولاء للقائد، وهو بذلك أعاد تشكيل الدولة العميقة ، أو أجزاءّ منها بطريقته الخاصة، ولم يخرج منها نهائياً، ما فعله هو استبدال قنوات التواصل مع الدولة العميقة، من خلال شبكات جديدة، تعتمد على العلاقة الخاصة مع هؤلاء، ومع أحد أهم مكوناتها وهو اللوبي الصهيوني، مثل ليندسي غراهام، ومريام اديلسون، و رون درايمر وآخرين.
من هنا نستطيع أن نفهم، كيف اختلف طرامب مع جون بولتون مثلاً ، رغم أن الأخير أكثر صقورية وفجاجةّ من طرامب نفسه، حينما يتعلق الأمر بالسياسات الخارجية. الخلاف هنا ليس حول الرؤية السياسية، بل حول الدور الممنوح له، وهذا يعيدنا، إلى التركيبة النفسية لطرامب مرةّ أخرى.
لنعود الآن، إلى تصريحات الرئيس الأميركي المتناقضة.
هذا التكوين النفسي لهذه الشخصية المركبة، يدفعه دائما لأن يكون مركزاً لكل الأخبار ، لذلك يصدر يومياً، عشرات التصريحات والتغريدات والتعقيبات، وفي أحيان كثيرة حول توافه الأمور، المهم أن يظل دائماً في مركز الأخبار، ولا يهمه كثيراً على ما يبدو، إن كانت النظرة سلبية أو إيجابية لما يقول، أحياناً تصريح فظ وغير منطقي، قد يجلب له الكثير من التفاعلات، وهذا ما يزيد من شعبيته لدى أنصاره، فهم يصدقوه بغض النظر ومهما قال، هذا ما أظهرته استطلاعات الرأي بين أنصاره.
يمكننا القول أن هذا الرئيس يمارس الخداع، ولكن غالباً هذا الخداع موجه للداخل، موجه لأنصاره المتعطشين لتصديق، أن كل شئ يسير على ما يرام، وأن سياساته في غاية الروعة، وأنه قادر على إخضاع الخصوم والأصدقاء، على حدٍ سواء، وأنه السوبرمان الذي انتظرته أميركا طويلاّ، حيث يتعمد حينما تتاح له الظروف، إهانة الزعماء على مرأى من العالم، هذا ما فعله مع الرئيس الأوكراني، في البيت الأبيض، وحاول حشر العاهل الأردني في الزاوية، كما حاول التطاول على رئيس جنوب أفريقيا.
ما يحاول هذا الرئيس زرعه في عقول الاميركيين، هو أنه رئيس قوي، وأنه أمام مصالح اميركا ، لا يتورع عن إهانة وإذلال أي كان، وليس مضطراً لاستخدام لغة دبلوماسية، أو مراعاة أخلاقيات التعامل.
أحياناً ينجح في الوصول إلى ما يريد، لا سيما مع الضعفاء، وأحياناً أخرى يفشل، لكنه لا يعترف بالفشل، ويظل يردد على مسامع الجميع، أنه حقق أموراً رائعة، وكالعادة تصدقه قاعدته الانتخابية.
وفي نفس السياق، علينا أن لا نغفل، أن بعض هذه التصريحات، الهدف منها التلاعب بالأسهم في أسواق ألأموال، لجني مزيد من الأرباح.
بطبيعة الحال، فإن الطريقة التي يدير بها طرامب الأمور، وإن كانت تحافظ على ثقة قاعدته الانتخابية به، إلا أنها لا تخرج البلاد من أزماتها، وتزيد من عزلة البلاد الخارجية، حتى مع بعض حلفائها التاريخيين، وتعمق الانقسام الداخلي في البلاد
2026-06-16