مرحبا ايتها الثورة الزائفة !
عارف معروف.
مامن ثورة مضادة جاءت بوجهها الصريح اواعلنت مضامينها الحقيقية ابتداءا ، ومامن ثورة مضادة لم تستثمر حالة الاحباط واليأس وتراكم معاناة الجماهيرمن هزيمة قومية او فساد مستشراو ضائقة اقتصادية اوكبت للحريات اوحتى كارثة طبيعية وغيرها من عوامل الغضب والمعاناة ، لكنها كانت دائما تشير الى الاسباب الخطأ في التسبب بتلك المعاناة وتوجه الاتهامات الى القوى والاشخاص الخطأ وتعبيء الجماهير ضدها عن عمد ومنهجية لكي تظهر بمظهر المخلّص الحريص ولكي تخلي الساحة امامها من اية مقاومة او احتجاج او حتى نقد عقلاني لكي تشرع باشادة بديلها الذي سيكون اشد وطأة وتسببا بالكوارث والمعاناة من كل ما توقعته الجماهير والتي ستدرك ذلك بتجربتها المريرة ومعاناتها الاشد اذى ولكن بعد فوات الاوان !
حينما ارتقت النازية سدة الحكم في المانيا فانها كانت قد صَعَدت وسط حماسة ومباركة الملايين بعد ان استثمرت -النازية – معاناة الالمان من الواقع المحبط للشروط المذلة التي كانت تعيشها بلادهم بسبب ما فرضه عليها حلفاء الحرب العالمية الاولى المنتصرون ، وكذلك واقع ضعف الاقتصاد والصناعة الالمانية وتفشي البطالة وغيرها ، لكنها وجهت الاتهام الى الجهات الخطأ : اليهود باعتبارهم فايروسات مدمرة في الجسد القومي الالماني واليساريون والديمقراطيون باعتبارهم معوقي نهضة المانيا القوميه ، وهكذا ذُبح الابرياء والمخلصون في ظل مباركة الجموع وصرخاتهم الحماسية بل وانتهكت وديست كل القيم والمؤسسات الديمقراطية لصالح مجنون دموي يصرخ : المانيا فوق الجميع ، مستثيرا الغرائز الجمعية واحط ما في العقل الجمعي من لا عقلانية وامتثال !
كذلك سلّمت شعوب اوروبا الشرقية كل ما بنته وادخرته خلال اجيال الى محتالين ومهرجين ولصوص ووكلاء لشركات دولية ، عن طيب خاطر بل وبحماسة وهي تحلم ببنطلون الجينز والعلكة الامريكية هربا من بيروقراطية حزبية فاسدة حرّمت عليها الكثير من مباهج الحياة باسم البناء ومستقبل الاجيال لكي تجد نفسها ، بعد حين ، مشدودة الى حالة استرقاق محلي وعالمي لا تحسد عليها ، عدا استثناءات قليلة !
اما في عالمنا العربي والشرق اوسطي فنحن نعيش منذ عقد من السنين وسط افراح ومهرجانات الثورة المضادة المتصاعدة والتي تنزع في كل فترة واحد من استارها لكي تسفر، تدريجيا ، عن وجهها الحقيقي وغاياتها الفعلية . ثورات مضادة استثمرت في واقع المعاناة من الدكتاتورية الفردية والطغيان الحزبي والمعاناة المادية والفساد والطائفية والعنصرية لكي تتسلط على الثورة الكامنة بل والمتحفزة وتفرغها من محتواها ، و لكي تقود الجماهير، في حالة من العماء ، الى بدائل اكثر قهرا واشدّ ظلامية، مستهدفة بمنهجية ووعي وخطة متصاعدة ، لا اسس الطغيان او الفساد او التبعية وقواها وشخوصها وانما اساس وحدة هذه المجتمعات واداة بنائها الضرورية وازدهارها المنشود : الدولة الوطنية وقواها الساندة و الهوية الوطنية الموحدة والجامعة ورموزها والغاية الاهم : الثروة الوطنية !
وفي معظم الحالات تم الاعتماد على تثوير حالات هياج وغضب عام مبرر ويملك اسسه الحقيقية في معاناة الناس من الاستبداد او الفساد او الطائفية ولكن مع توجيهه الوجهة الخطأ وقيادة زخمه نحو عدو زائف ، داخلي او خارجي ، بعيدا عن العدو الحقيقي الذي هو قوى الهيمنة والاحتلال الخارجية او قوى وشخصيات العمالة والاستغلال واللصوصية الداخلية اي بعبارات اوضح : امريكا واسرائيل وانظمة المحور العربي الموالي والعملاء والوكلاء والمرتبطين باجنداتهما في الداخل !
لقد اعتمدت الثورة المضادة ليس السطو على الثورات الحقيقية وتزييفها وافراغها من محتواها ، كما حصل في العراق ، فحسب ، بل وتعبئة الجماهير بالزائف من الشعارات وصنع بدائل ورموز بل وابطال من اكثر الخامات رداءة ولكن بالاعتماد على سطوة الاعلام والمال العالمي ما كان يمكّن من تمرير هذه الشعارات واعلاء شأن هذه الرموز وبلبلة الوعي الشعبي وتعبئته بالاتجاه المطلوب وفي مرحلة لاحقة لم تتورع – الثورة المضادة – وداعميها العالميين والاقليمين من تجييش الوضع الاجتماعي بالكامل و تجنيد الدهماء والحثالات وتسليحها لاعدادها لارتكابات اجرامية لا تبقي ولا تذر !
ان الكثير مما يحصل في لبنان اليوم هواختلاط وغلبة للثورة المضادة والزائفة التي تستثمر حالة الغضب الشعبي المبرر والقائم على اسباب حقيقية وكذلك ما حصل ويحصل في العراق للاسف الشديد !
2020-08-10