لَاوقت للتّعب فِيْ حياةِ الأُمهات!
إقبال جمال صوفان*
حين يحاول القلم أن يَخط كلمات مرموقة ممزوجة بمشاعر فيّاضة لشخصٍ ما، يرتجف ويحتار هو ومالِكه، فمن ذا الذي سيُنصف الأم أو يفي ببعضٍ من عطائها وحُبها اللامشروط ؟! المدح كبير والسرد كثير لذلك لن أستطيع الإلمام إلا بجزءٍ يسير، فمِنا الطاعة ومن الله الرعاية .
قال تعالى : (حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنࣲ ) لم يقل ضعفاً على ضعف أو تعب على تعب بل اختار لفظ “الوهن” والذي يجمع كل معاني المُعاناة والإرهاق إنه الجهد الجسدي والنفسي، التأثر في أبعاد عديدة، تعيش المرأة الحامل في تفاصيل صعبة الشرح حتّى على مستوى التنفس فهو ثقيل عليها! وزن الجنين يأخذ جزء من صحتها ويسلب الكثير من قوّة عظامها ووهج ملامحها ، وهكذا حتّى يأتي طفلها الذي تتعذب وقت ولادته وقد ذكرت دراسات عدة أن ألم الولادة هو أشدّ ثاني ألم في العالم بعد الحرق حيّاً! وأيضاً ألمه كألم كسر( 42) عظمة في جسم الإنسان في نفس اللحظة! إنه أشبه بالموت! فأين نحن من ليلة واحدة من سهر أمهاتنا و أوجاعهن ؟!
تبدأ الأم حياتها بتربية أطفالها وتدريسهم ومتابعتهم خطوة بخطوة ، وكل مرحلة من عمرهم تتطلب أطناناً من الصبر، القوة ، التحمّل، وأيضاً المرونة العالية فبدون المرونة لن تتم الأمور ، وأصعب تلك المراحل هي مرحلة المراهقة التي يُعاني منها الوالدين وليست الأم بمفردها فالشباب صنف والبنات صنف آخر، وهُنا لابد من الموازنة مابين الشدة والرخاء ومابين الحذر والمتابعة ، وكلها أوقات وستمضي بعون الله فمن شبَّ على شيء شاب عليه وكلما كان القرآن ونهج الأنبياء حاضر في جميع جوانب حياتنا فلن نسقط أبداً، أما إذا كان الغرب هو من يتحكم فلا فائدة ولا مهرب من كل أنواع الفساد والضياع.
ينمو الأطفال فيُصبحون شباباً وشابات في جوٍ من تتالي الأحداث وتراكم الهموم تتآكل الأم عليهم شيئاً فشيئاً تحميهم برمش عينيها خوفاً من وقوعهِم في أي خطأ أو مأزق، توفر لهم كل أجواء الهدوء لينعموا بحياة هانئة تشجعهم على دراستهم تحتضنهم ليلاً نهاراً بدموعها بدعائها بمراقبتها بإحساسها وبكل شيء منحها الله إياه توظفه عاطفياً لذلك الجزء الذي من روحها المرتبط بها مدى الحياة ، يُكملون أولئك الشباب دراستهم فيتنقلون إلى دار الزوجية حينها تُفارقهم الأم كفراق الروح من الجسد ينتزعون منها قِطعاً صغيرة تتوزع قلبياً نبضة بنبضة ودمعة بدمعة، حينها تبدأ من جديد هموم الأحفاد ومحبتهم وانشغال البال على الأولاد وتجديد الحياة مرة أخرى عودة لنفس النقطة ونفس الشعور وهُنا أقف عند سؤال سألته لإحدى عمّاتي هل ترتاح الأم بعد تزويج أبناءها ؟ أجابتني قائلة :”بل تزداد همومها وتفكيرها ، ولا راحة للأم تحديداً إلا حين تدخل قبرها حينها أظن أنها ستتوقف عن التفكير بأبناءها” حينها أدركت صعوبة الأمومة!
الأم هي المُنقذ الأول الشطر الأعظم النور الأدوم ، لن تقف في مكانٍ ما إلا وهي خلفك من حيث لاتشعر بالدعوات بالمال بالطعام بالمراقبة بالقلق بالإتصال الرّوحي الذي لاينقطع ، لاوجود للنوم العميق في قاموسها أبسط صوت يوقظها فور سماعه، لامكان للكسل في طبيعة حركتها حقيبتها لاتخلو من قِطع الحلوى مطبخها لا يتعطل من خبز يديها، كل شيء يخص الأم دائم وغير منقطع كل شيء متوفر لديها هي فقط ، كل الاحتياجات مدروس حسابها حاضراً ومستقبلاً فلا غرابة أن تجد الفتاة هدية في يوم زفافها والّتي خُبأتها والدتها لمدة تزيد عن الـ20 سنة ولا غرابة أيضاً حين تجد كل مستلزمات الولادة أو الرحلة أو الزيارة أو حتى السفر مُجهز من قَبل أيام من كل ذلك!
أكتبُ حروفي هذه وكلي دموع في دموع خجلاً من أمي وكل الأمهات لما قدمنه ولا زلن على نفس الحب والخوف حتّى بعد أن كَبِرنا وتزوجنا وأصبحت حياتنا بعيدة مستقلة ! موجات القلب تصل وشوق الروح يحن ، ماكنت أتخيّل يوماً أني قاسية عليها إلا حين أصبحت في موقعها، ماكنت يوماً أتوقع أني سأواجه أصعب الصعوبات إلا حين تركتها، ماكنت يوماً مؤمنة بتراكم الآهات إلا حين تحملت همها، كنت بسيطة، عشوائية، مستسهلة لكل ماأقوم به ، لا أأبه لكل تنبؤاتها ولا أبالغ إن قلت تنبؤات لأن ماتقوله سوف يحدث حتماً ولكن لا مُجيب في ذلك الوقت! الحياة واسعة صعبة موجعة ولكنها تصبح أجمل بوجود جوهرة من الرحمٰن لنا فلنُقدرها ولنُحافظ عليها ولنعرف جميعاً أن تلك الجوهرة إذا فُقدت فُقد النور والشعاع حتّى في الصباح! لا كلمات تفي حق كل الأمهات حتّى وإن أطلت السرد لأني بذلك أحشو بحر الحُبّ في زجاجة عطر.
اتحادكاتبات اليمن
2024-09-13