آخر تأثيرات ايران على العرب!
اضحوي جفال محمد*
لايران منذ أن وُجدت ووُجد العرب بجوارها احتكاكات معهم كثيرة ومتشعبة ولن نخوض فيها لأنها ليست الغرض من هذا المقال.. الغرض مسألة تبدو للوهلة الاولى ثانوية، إلا أنها في الواقع بالغة الاهمية وستنمو اهميتها مع الوقت، تلك التي حطمت إلى حد كبير المنطق العربي السائد. فالعرب منذ ان دخلوا العصر الحديث بمجيء الاستعمار وجدوا انفسهم في حالة مواجهة شاملة معه، زادها اشتعالاً قيام ذلك الاستعمار بزرع الكيان الصهيوني في قلب الامة.
بدأ الصراع بديهياً وليس محط نقاش، فلا مجال للجدال في وجوب التصدي. لكن ومع الوقت وتوالي الهزائم ظهر من يدعو إلى المهادنة والتمهل والمسايسة. كان مثل هذا الصوت محصوراً في أوساط الحكام، ثم راح يتسع تدريجياً حتى غلب. وفي نهاية المطاف عم الجميع حتى بات المتحدثون عن المقاومة موضع سخرية وغير جديرين بتبادل الرأي الجاد معهم. لقد حل اليأس وكُرست في الأفهام حالة ساحقة من الاعتقاد بأن امريكا قدر محتوم، فهل يجوز الاعتراض على قدر الله؟. وأُحيط الأمر بهالة من القدسية تجعل النظرات إلى المشكك بها كالنظرات إلى مَن كفر!. وأقصى ما يقوله المتفائلون ان التحرير منوط بالأجيال القادمة.
عموم الناس لا يقولون ان موقفهم من امريكا وإسرائيل تغيّر.. كل ما يقولونه ان المجابهة في هذا الزمن انتحار، وان الله حين أنعم علينا بنعمة العقل انما فعل ذلك كي لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة. وكلما أهانت امريكا شعباً من الشعوب رفع هؤلاء العرب عقيرتهم بارتياح (ألم نقل لكم أن تحديها جنون). حتى صار بعضهم يفرح بمازوخية عندما تبطش امريكا ببلده، فقط ليدلل على صحة تخاذله أمامها.
وكما تنتهي المسرحيات الكلاسيكية بمشهد درامي صارخ بلغ التصعيد الملحمي ذروته بخطف الرئيس الفنزويلي. كان اعلاناً هادراً بأن الهدف التالي عليه ان يستسلم قبل انطلاق المبارزة، مثلما أخضعت الدعاية النازية النمسا من دون قتال. وتوجهت كل الأنظار إلى ايران باعتبارها الضحية القادمة. واصطف الجمهور العربي بين من رأى وجوب تقديمها التنازلات المطلوبة اسرائيلياً وبين من لا يجد في خضوعها ما يشفي الغليل، ولا بد من تدميرها بالكامل. سيناريوهات كثيرة تداولتها الصدور الموغرة ليس بينها ان تصمد ايران. فلما صمدت عقدت المفاجأة ألسنة القوم زمناً، ثم أفاقوا على اكثر من سردية يوارون بها شعوراً قاتلاً بالإحباط، بين قائل ان ايران في الحقيقة دُمرت بالكامل. يساق هذا القول كعزاء عن تبدد الآمال. وقائل ان امريكا لم تضرب ايران بكل قوة! يقال هذا تنزيهاََ لعظمة امريكا عن مغبة الفشل، في تمهيد خفي للعودة إلى مقولة (التمثيلية) باعتبارها القوت الوحيد إذا لم تسقط ايران.
لكن، ومهما قيل ودُبج من سرديات، فان حقيقة ساطعة كالشمس أطلت على دنيا العرب وجهرت أبصارهم.. وهي ان امريكا بكل غطرستها وعنجهيتها ليست قدراً محتوماً إذا امتلك الشعب ارادة الصمود واستعد بشكل صحيح.
الموضوع هنا لا يتعلق بنوايا الايرانيين وتدخلاتهم وأطماعهم في بلادنا، العناوين التي يفضل العربي الانزلاق اليها كلما احتد النقاش بشأن اسرائيل وفلسطين والأقصى. في مقاصد هذا المنشور لا يختلف شيئاً ان تكون ايران معنا او ضدنا، ان تكون صادقة او كاذبة في نصرة فلسطين، فالدرس الذي تفضلت به ايران علينا وعلى العالم وصل في الحالتين، وهو أن دعوانا شبه اليقينية بالقوة القاهرة لأمريكا ما هي في الحقيقة إلا وهم نضمد به خوار عزمنا وجروح كرامتنا. ومنذ الان سقطت من ايدي العرب الانهزاميين أقوى حجة، بل الحجة الوحيدة التي شيدوا فوقها ناطحات سراب. وسوف نرى كيف يصطنعون من القمامة بديلاً عنها.
( اضحوي _ 2424 )
2026-08-16