المال مجهول المالك!
عبدالله كاظم
لدينا نوعان من الأموال:(مال معلوم المالك) و(مال مجهول المالك) ، ومجهول المالك هو اصطلاح شرعي يستعمل فقهيا بشكل واسع على أقسام متنوعة من الأموال لا يدخل تصنيفها ضمن الأموال الخاصة مثل أموال الدولة . وطالما تطرقنا إلى هذا الموضوع الحساس يهمنا أن نتعرف على مواقف الفقهاء الأعلام من أموال الدولة بشكل عام ، ويجدر بنا قبل ذلك معرفة مواقفهم وآرائهم من الدولة نفسها باعتبارها وحدة سياسية يعيش في أكنافها شعب معين أو شعوب متعددة
.
الفقهاء منقسمون في هذا المجال فمنهم من لا يؤمن بمشروعية وقيام الدولة إلا في ظل وجود الإمام المعصوم، ومنهم من يؤمن بمشروعية قيامها، ضمن وجود الفقهاء كنواب للإمام فيها، ومنهم من يعتبرها أمرا واقعا يجب احترامه والتعاطي معها كأمر حاصل، ويوصي بالالتزام بقراراتها ما دامت تحفظ أمن المجتمع العام، وبما أن أن الفقهاء بشكل عام لايسعون إلى إقامة الدولة فإن ذلك يجعلهم يعتبرون أي أموال للدولة هي (اموال مجهولة المالك)، ولكن هذا لا يفهم منه أبدا أنهم يسمحون بالسطو على أموال الدولة ونهبها.
.
تنقسم اقوال الفقهاء حول أموال الدولة إلى ثلاثة أقوال، القول الأول:الرأي المشهور هو أن أموال الدولة مجهولة المالك، وهذا رأي أغلب مراجع الدين الكبار من المتقدمين والمتأخرين، ولا فرق عندهم في أن كون هذه الدولة يحكمها نظام ديكتاتوري ، أو نظام عادل. ونشأ هذا الرأي من أن الدولة ليست شخصاً ليكون لديها ملك خاص من ناحية المصداق.
.
القول الثاني: وهو أن أموال الدولة معلومة المالك، وللدولة شخصية اعتبارية وليست معنوية فقط، وهو رأي الإمام الخميني والسيد الخامنائي (رضوان الله عليهما) وجملة من الفقهاء الذين يؤمنون بنظام ولاية الفقيه.
.
القول الثالث : وهو الأحدث ومن القائلين به المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني (حفظه الله)، ولعل رأي السيد السيستاني يتطابق مع الرأي المشهور القائل بمجهولية أموال الدولة، ولكنه يعتبر أن الدولة مالكة، وبالتالي يحكم القوانين السارية في أموالها، ويعتبر رواتب الموظفين معلومة المالك استنادا إلى عقد التوظيف بين الحكومة والموظف .
.
والسؤال المهم هل لعبت ثقافة المال مجهول المالك دورا فاعلا في قضية نهب أموال الدولة بشكل غير مسبوق في تاريخ العالم ؟ ، وكيف تسللت هذه الثقافة إلى دوائر الحكم وصناع القرار؟، وكيف انتشرت في مختلف مفاصل الدولة ومختلف طبقات الموظفين ؟.
.
أعتقد أن الأوضاع المالية في العراق تستوجب معالجات سريعة وفاعلة لحفظ المال العام واستصدار فتاوى شرعية لكبار الفقهاء تحرم بشكل واضح سرقته والتعدي عليه ، وضغوط جماهيرية قوية على الحكومة بضرورة إخضاع الرؤوس الكبيرة المتورطة في قضايا الفساد المالي والاقتصادي والإداري وتقديمهم للمحاكمة،وإنزال عقوبات رادعة بحقهم ، ومتابعة الأموال العراقية المنهوبة في الخارج عبر المنظمات الدولية المختصة ،خلاف ذلك فإن مصير البلد الإفلاس.
……… 15/8/2026