هل حقاً، وكما قال فينا برنارد لويس، نمتلك احيانا ادمغة …الدجاج؟
عبثاً نبحث عن العقل (العربي) الاستراتيجي في هذه المتاهة. قد يكون من المنطقي، والانظمة جعلت منا مجتمعات ما دون المجتمعات، وقبائل ما دون القبائل، وطوائف ما دون الطوائف، ان نخشى الدول الاقليمية، اي ايران، لكأن ظل كسرى انو شروان لا يزال بيننا، وتركيا التي علّقت رجالنا، وأزمنتنا، على المشانق. ان نخشى اكثر اسرائيل التي تقوم توراتيا على اجتثاث الآخر، والغاء الآخر، مادام يهوه، وبتلك المزاجية الهائلة، قد قال بذلك…
لكننا اكتشفنا فجأة ان ايران هي عدوتنا الوحيدة، وهي المسؤولة عن مصائبنا، منذ ان هبط آدم الى الارض، وكنا جزءاً لا يتجزأ من خطيئته الاصلية، وحتى هذه اللحظة، لنقع في غرام رجب طيب اردوغان، الضنين بمصالح العرب،وبقضايا العرب، وبأرض العرب…
لا بل ان الاتصالات شغالة بين الاجهزة العربية والاجهزة الاسرائيلية، لتبقى القضية الفلسطينية على شاكلة محمود عباس، لا تصلح حتى…للنسيان.
مع القائلين نقول ان ايران هي عدوتنا، وانها تستخدم الايديولوجيا لاختراق مجتمعاتنا، ولتفكيك دولنا، ولكن كيف لنا ان نقبل، والنير العثماني لا يزال عالقا في رقابنا، ورقاب موتانا، بالتعاون الاستراتيجي مع تركيا التي تلعب امام الملأ لتحطيم العراق ولتحطيم سوريا؟ لعلنا لا نحتاج الى ادلة اضافية على دورها في صناعة تنظيم الدولة الاسلامية لنتحدث، وكما تحدثنا سابقا، عن لحظة التقاطع بين النيو عثمانية والنيو انكشارية…
..وكيف تغدو اسرائيل عشيقة للعرب، كما لو ان راحيل، وكما كان يقول الحاخام مئير كاهان، لم تصرخ في وجهنا، وكما لو ان افيغدور ليبرمان لم يقترح وضعنا في حاويات والقائنا في صناديق القمامة؟
حتماً، لا يمكننا القبول بأن تمس ايران حفنة من ترابنا. هذه مسألة لا تقبل اي نقاش، ولكن اين المنطق في ان نتعامل معها، هكذا، هيستيريا وبالطريقة التي تفضي الى الانفجار الكبير الذي خبرنا بعض مشاهده في الثمانينات من القرن الماضي، وحيث سقط مليون عراقي في تلك الحرب العبثية، وتلاشت مئات مليارات الدولارات لاستجلاب اسلحة لا غاية لها سوى صناعة القبور…قبورنا.
هكذا نكتشف فجأة ان ثمة دولة عربية تدعى جيبوتي التي طالما وصفناها بـ«حديقة الملح»، وتعاملنا معها على انها مثل الصومال ومثل اليمن، مستودعا للحفاة، ثم نستصرح رئيسها اسماعيل عمرغيلي( هل سمعتم بهذا الاسم من قبل؟)، ليقول، لا فضّ فوه، ان «حزب الله» «فتنة كبرى»، ولا ندري ما اذا كان هذا الرجل الذي تم تلقينه ما يقوله مقابل حفنة من الدولارات يعلم ان «حزب الله» موجود في لبنان وليس في طاجكستان مثلاً…
ولا ندري ما هي اسباب العداء بين بلاده التي قامت موازنتها على بدل القاعدة الفرنسية فيها او ايران التي قال ان علاقة جيبوتي بها سيئة و«اننا نتجنب شرهم». لا عدو آخر حتى لاسماعيل عمرغيلي غير ايران و«حزب الله». صدقت العرب… شر البلية ما يضحك.
لا بل ان وسائل اعلام قالت علناً ان ايران هي التي وراء حادث الدراجة الهوائية الذي اصيب فيه جون كيري (هكذا بالحرف الواحد)، وعلى اساس ان الضغوط التي يتعرض لها خلال المفاوضات النووية تحمله على الترويح عن النفس بركوب الدراجة الهوائية، مع ان الرجل الذي اصيب في حرب فيتنام (لم تُتهم ايران بالمسؤولية عن ذلك ايضا) يهوى تلك الرياضة منذ نعومة اظفاره، وهو يحمل دراجته الهوائية داخل حقيبة اينما حل…
لا بل اننا نتهم ايران، وبعض اللبنانيين والغون في ذلك، بصناعة «داعش»، كما لو ان ابا مصعب الزرقاوي، وهو الاب الروحي لابي بكر البغدادي، لم يقل كلاما في المذهبية يندى له حتى جبين…الابالسة.
سؤالنا… متى يخرج العقل العربي، العقل الذي انتج ابن رشد، وهو فيلسوف العقل الذي قال « تموت روحي بموت الفلسفة»، من عقاله، ويطل على تلك البانوراما المحطمة، وحيث تنظيم الدولة الاسلامية يدخل الى كل بيت، ويجتذب الصعاليك مثلما يجتذب خريجي الجامعات الغربية الكبرى الذين يبحثون عن بديل من التعفن السياسي والفكري والعقائدي الذي يجتاحنا؟
قبل ان نفاجأ بأن دول الخلافة قد قامت، وعلى انقاض الدول الهجينة، هل من مجال لوقف تلك الهيستيريا التي تعني شيئا واحدا: اننا ندق باب القيامة، ولا احد يرد!!
لن تقوم لنا قائمة…