الاتفاق الذي فضح الجميع!
جوهر سعود
كلما اشتعلت المنطقة، خرج علينا المحللون وهم يصرخون: “الحرب الكبرى بدأت!”… ثم فجأة، ومن خلف الستار، يجلس الخصوم أنفسهم إلى الطاولة ويوقعون التفاهمات.
الآن انظروا جيداً إلى بنود الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران. أمريكا التي قيل إنها جاءت لسحق إيران تعترف بحقها في التفاوض وتفتح الباب لرفع العقوبات وتحرير الأموال المجمدة. وإيران التي قيل إنها على بعد خطوة من المواجهة الشاملة تؤكد مجدداً أنها لن تنتج سلاحاً نووياً وتوافق على آليات رقابة وتفكيك للمواد المخصبة. ومضيق هرمز الذي هُدد العالم بإغلاقه يعود للعبور، والنفط يعود للتدفق، والأسواق تستعيد أنفاسها.
السؤال الذي لا يريد أحد طرحه: إذا كان الهدف هو الحرب الشاملة، فلماذا انتهى المشهد إلى اتفاق؟ وإذا كانت الإبادة المتبادلة هي السيناريو الحقيقي، فلماذا نجد في النهاية بنوداً اقتصادية وتجارية وملاحية أكثر من البنود العسكرية؟
الحقيقة التي تتكرر منذ عقود هي أن الشعوب تشاهد المسرحية من المقاعد الخلفية، بينما تُدار المصالح الحقيقية في الغرف المغلقة. مراكز الأبحاث الكبرى لا تبني سيناريوهاتها على الشعارات والأيديولوجيا، بل على خطوط الطاقة، والممرات البحرية، واستقرار الأسواق، وحركة رؤوس الأموال، وتوازنات النفوذ. هناك تُقاس الدول بما تملكه من أوراق تفاوض لا بما ترفعه من خطابات.
كل هذه الأشهر من التهديدات والتصعيد والضجيج الإعلامي انتهت إلى ما كانت تتحدث عنه دوائر الدراسات الاستراتيجية منذ البداية: تأمين الملاحة، ضبط البرنامج النووي، إعادة هندسة العقوبات، وإعادة ترتيب قواعد الاشتباك في الخليج. أما الجماهير فبقيت منشغلة بالسجال العاطفي بينما كانت الخرائط الحقيقية تُرسم بهدوء خلف الأبواب المغلقة.
ليس معنى ذلك أن كل شيء مؤامرة، ولا أن الحروب غير حقيقية، بل إن الصراع نفسه أصبح أداة تفاوض. التصعيد يُستخدم لرفع سقف الشروط، والتهديد يُستخدم لتحسين الموقع على الطاولة، والضجيج الإعلامي يُستخدم لتسويق النتائج لاحقاً على أنها انتصار لهذا الطرف أو ذاك.
بعد قراءة هذا الاتفاق، يصبح السؤال الأهم: هل كانت المنطقة على حافة حرب وجودية كما قيل لنا، أم على حافة صفقة كبرى كان يجري إعدادها منذ أشهر بعيداً عن الكاميرات؟
في عالم السياسة الدولية، لا تصدق ما يقوله اللاعبون على المسرح بقدر ما تراقب ما يوقعونه خلف الستار. فالكلمات تُكتب للجماهير، أما الاتفاقات فتُكتب لموازين القوى والمصالح. وبين التصريح والتوقيع… تختبئ الحقيقة دائماً.
2026-06-18