الطائفيّة والصراع على التخلف!
د. عدنان عويّد
الطائفيّة لغة:
الطائفيّة لغةً مشتقة من كلمة “طائفة”، والتي تعني في معاجم اللغة (مثل لسان العرب والمعجم الوسيط), الجزء أو القطعة من الشيء، وتُطلق أيضاً على الفرقة أو الجماعة من الناس الذين يجمعهم مذهب، أو رأي، أو رابط مشترك. وهي تدل كذلك على الحركة الدائريّة المغلقة إذ يقال: أطاف فلان بالأمر أي أحاط به، وفي التنزيل: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) [الإنسان، آية 15]. وتأتي أيضاً : جماعة من الناس أو الحيوان أو الأشياء. وعند الناس تعني كلمة طائفة, جماعة أو فرقة منهم، قال تعالى: (وإنْ طَائِفَتَاِن مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات، آية 9]. والطائفة من الشيء جزء منه, وفي حديث عمران بن حصين وغلامه الآبق: لأقطعنّ منه طائفاً، أي بعض أطرافه. (1).
والطائفيّة اصطلاحاً: هي “كيان اجتماعي قائم بذاته، متماسك بلحمته الداخليّة، عميق الجذور في وجوده”. وبناءً عليه تُعتبر الطائفة, هي الوحدة الاجتماعية الأولى (دينيّة كانت، أو مذهبيّة، أو عرقيّة، أو سياسيّة). وهي مدخل الفرد ومعبره باتّجاه المجتمع والدولة. وهذا ما يساهم في تجذير وبلورة التعصب الأعمى والانغلاق الفكري، ورفض الآخر المختلف، والسعي لإقصائه. ففي الطائفيّة يُغلّب الأفراد في الطائفة مصلحة طائفتهم على مصلحة الوطن والمجتمع الأكبر. وقد نجد الطائفة الواحدة قائمة في عدّة مجموعة عرقيّة أو دينيّة في مناطق وبلاد مختلفة في لغاتها وانتماءاتها.
من خلال النظر في العوامل الأساسيّة لتشكل وظهور (الطائفيّة), نجد أنها ليست من إنتاج (الطائفة) بل العكس. فالطائفية هي التي تستدعي الطائفة من وعي الناس, وتعيد إنتاجها ككيان مشخص له مصالحه المشتركة في شروط تاريخيّة وسياسيّة يفرضها الزمن المعيش، أهمها فشل الدولة الوطنيّة من خلال عجز مؤسساتها السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة, عن دمج الجماعات أو مكونات المجتمع في هذه الدولة على أساس المواطنة، وغالباً ما نجد في أي محيط اجتماعي يتسم بالتعدديّة الدينيّة والطائفيّة والمذهبيّة بروز تناقضات وصراعات سياسيّة أو طبقيّة، تؤدي إلى استثمار الهويّة الطائفيّة في الصراع على الدولة من أجل الوصول إلى السلطة وإثبات الذات أمام الآخر المختلف الذي يتحول إلى عدو ضمناً، ليتطور هذا الاختلاف لاحقًا ويتحول إلى صراع على تاريخ البلاد ومشكلة “نحن” مقابل “هم”. وغالباً ما تتدخل أو تستدعى قوى خارجيّة لدعم هذا الطرف أو ذاك في صراعها الداخلي.
إذاً في مثل هذه الدول البعيدة في تكوينها عن أسس الدولة المدنيّة, أي عن دولة المواطنة والمؤسسات… الدولة التي يُحترم فيها الدستور, ويُقاضا أو يُحاكم الحاكم والمحكوم معاً عند الخروج عن قواعدها, نجد في مثل هذه الدولة (الما قبل دولة), بروز المرجعيات التقليديّة لقيادة الدولة وفق مصالها الأنانيّة الضيقة, وليس وفقاً لمصلحة (مجموع مكونات الدولة) الدينيّة والعرقيّة والقبيليّة والعشائريّة, وتأتي الطائفيّة موضوع بحثنا أنموذجاً لذلك.
نعم.. ففي بنية الدولة الطائفيّة, لا مجال لتكافئ الفرص في قيادة الدولة والمجتمع, فالولاء لسلطة الطائفة الحاكمة يأتي قبل الكفاءة, ومن يوالي هذه السلطة الطائفيّة ويعمل وفق أجندتها, هو بالضرورة شخصيّة مهزوزة ومهزومة في داخلها وانتهازيّة, تبحث عن الجاه والسلطة, وتحقيق مصالحها الماديّة الأنانيّة الضيقة.
وفي الدولة الطائفيّة تغيب سلطة القانون, وتفرض سلطة المسؤول. فالمسؤول هنا هو ومن يحتمي به, هما فوق القانون في الغالب, وهذا ما يؤدي إلى غياب عمليّة فصل السلطات الدستوريّة والتنفيذيّة والقضائيّة عن بعضها, بحيث تصبح كلها تحت أمرة السلطة الحاكمة المتفردة بالسلطة, وعليه تغيب العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وحتى الثقافيّة.
فعلى المستوى الاجتماعي: يأتي أبناء الطائفة الحاكمة في مقدمة الترتيب الاجتماعي, بل نجد هناك الكثير من مكونات المجتمع الأخرى تبدأ بمحاباتها والتزلف لها, ومحاولة الالتصاق بها طائفيّاً.
وعلى المستوى الاقتصادي, تبدأ الثروات تتراكم عند أبناء الطائفة الحاكمة والموالين لها من أبناء مكونات المجتمع الأخرى, إما بسبب السيطرة على البنية الاقتصاديّة, أو بسبب استغلال مناصب الدولة ونهب ثرواتها بطرق غير قانونيّة, كالرشاوى والطرق المختلفة للفساد.
وعلى المستوى السياسي: تغيب دولة المؤسسات والمواطنة كما بينا في موقع سابق, وتتفرد الطائفة بالسلطة من خلال سيطرتها على المفاصل الحساسة في الدولة وخاصة (الجيش). بحيث تصبح الطائفة الحاكمة فوق القانون والدستور من الناحية العمليّة, ولا يمكن لأي قوى سياسيّة أخرى أن تمارسها حقها الدستوري في قيادة الدولة والمجتمع إلا بعد أخذ رضا السلطة الطائفيّة.
وعلى المستوى الثقافي: تغيب الثقافة العقلانيّة التنويريّة, وتُفلتر الثقافة بشقيها الوضعي والديني وفق ما يخدم طبيعة السلطة الطائفيّة الحاكمة, ويبدأ العمل على الانتقاء من (التراث) ما يخدم تجسيد البنيّة الدينيّة المعبرة عن أصول الطائفة الحاكمة, بشكل مباشر أو غير مباشر, وهذا ما يدفع أبناء الطوائف الأخرى للاشتغال على فكر طوائفهم أيضا, وهنا مع غياب الثقافة الوطنيّة والقوميّة, وثقافة المواطنة ودولة القانون, تتجسد ثقافة الأساطير والخرافات المشبعة بالحقد والكراهية تجاه المختلف, وهذا ما يدخل الدولة والمجتمع في نهاية المطاف في حالات من الصراع المباشر وغير المباشر, بل الدخول بحروب أهليّة تأكل الأخضر واليابس معا.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
d.owaid333d@gmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- الطّائفيّةُ في اللّغة والاصطلاحِ: بحثٌ في الجذور والمرتكزات وآفاق التّجاوز. موقع. مؤمنون بلا حدود للبحوث والدراسات).
2026-06-18