“لا تغادروننا” ل(هان كانغ): عن عنف لا يمحوه الموت!
سعيد محمد*
لم تتغيّر حياة الروائية الكورية (الجنوبيّة) هان كانغ كثيراً بعدما فازت العام الماضي (2024) بجائزة نوبل للأدب. إذ مازالت السيدة الجميلة تعيش في بيتها الصغير ذاته في سيئول متجنبة الأماكن العامة والأنشطة قدر الإمكان. هذا الاكتفاء والترفع والزهد له بالتأكيد جذور عميقة في ثقافة شبه الجزيرة العريقة، لكنّه أيضاً نتاج حساسيّة استثنائيّة تجاه العنف الجمعي والاضطهاد للآخر المختلف تثقل قلب كانغ وتشكّل خلفيّة كل رواياتها بدءاً من (ذا فيجيتيريان أو النباتية) – عملها الأشهر الذي كان أول رواية باللغة الكورية تفوز بجائزة البوكر الدولية (2016) – وانتهاء إلى أحدث أعمالها – “يو دونت بارت أو لا تغادروننا” -.
من فضاء هذا المزاج يأتي إبداعها الأحدث: وكما في (ذا فيجيتيريان)، التي تحكي قصة امرأة ترفض أكل اللحوم كناية عن الاضطهاد الذي تتعرض له النساء في مجتمع ذكوري قاس مثل المجتمع الكوريّ، تتمحور الرواية الجديدة حول شخصية مركزية أنثوية تعاني من الصدمة والاغتراب تجاه العنف السياسي على نحو يكرّس تلك الثيمة العابرة لكل أعمالها المنشورة، فكأنها في جدل دائم لا يتوقف بين هشاشتها الشخصية كإنسانة، وتفاهة الحالة البشريّة كمجموع.
لا تملك عندما تتعرف على كيونغا، بطلة “لا تغادروننا” إلا أن تتخيلها كما لو كانت هي كانغ شخصياً. سيدة تجتاحها نوبات من الحزن العميق المرفق بالألم تقسو عليها دون إنذار فيهتز جسدها النحيل كما لو كانت تبكي بحرقة، وإن كانت عيونها تظل يابسة حتى حار فيها الأطباء. والأسوأ أنّها صارت ضحيّة كوابيس النوم أيضاً بعد ما أنتجت فيلماً عن جريمة نفذتها قوات حكومة سيئول المدعومة من الأمريكيين ضد مجموعة من المدنيين العزّل.
خلفية الرّواية مذبحة كبرى نفذتها السلطات الكورية الجنوبيّة قبل أكثر من سبعة عقود ضد المجتمعات التي تعاطفت مع اليسار الوطنيّ الذي كان يقاتل حينها لتحرير شبه الجزيرة الكوريّة من الأمريكيين وشركائهم المحليين، وتركز على مدينة جيجو التي قتل فيها وحدها عندئذ أكثر من ثلاثين ألف مدني أعزل. أعدم كثير من هؤلاء على شاطئ المحيط، وألقيت جثثهم في البحر. وتعيد كانغ ضمن قصتها سرد أقوال شاهد عيان مرّ بالمنطقة بعدها: “في البداية اعتقدنا أنها ملابس تطفو على صفحة الماء، لكن بعد التدقيق تبيّن أنها جثث لأشخاص كثيرين مقتولين بالرصاص”. لكن كل هذا العنف الذي لا يمحوه موت الضحايا ويعود دائماً كما وحش تجرّع سرّ الخلود فينهش أرواح الأحياء، لا ينعكس صريحاً في نثر كانغ، الذي يبدو رسماً شديد الأناقة، متحفظاً، بل و بارداً أحياناً برودة الثلج الأبيض، كما لو أن الكلمات تعجز عن حمل الأوزار الكاملة لكل ما ترغب الروائية في نقله من صور قسوة القتلة ورعب الشهداء ومشاعر من نجا واحتفظ بالوحش في داخله، ولذلك تفاجئك بمقاطع تندرج في قلب النص أقرب إلى الشعر منها للنثر، فترتقى بالتعبير إلى مستوى يتجاوز الكلام اليومي، محلقاً بكل قارىء بحسب قدرته الذاتية على الارتفاع عن الأرض.
هذا الأسلوب الطليعي الخاص في نصوص كانغ يجعل من ترجمة أعمالها مهمة شبه مستحيلة، وتتطلب من القارىء إن رغب بالاشتباك مع منتجها الروائي بغير لغتها الأصلية بأن يطلّع على خلفيات الأحداث التي شكلت مادة هذا المزاج الكابوسي حول ضعف البشر وقدرتهم اللانهائيّة على اقتراف العنف ضد مجموعات من الناس تصوّر لهم كمختلفين.
هل تأخذ كانغ مادتها من تاريخ بلادها الدّموي بالفعل أم هي تنسج الحكايا من أخبار المذابح القريبة في غزّة وجنوب لبنان والساحل السوري. لا يمكن الجزم بالطبع، إذ أن ذات السواد الذي قتل الناس هناك قبل سبعين عاماً، هو ذاته الذي يقتل الناس هنا اليوم. ولذلك ربما ستُقرأ كانغ دائماً مثل الكلاسيكيات: أدب إنساني عالمي، فوق الحدود، وعبر الأزمنة، وما بعد اللغات.
نشر هذا المقال على غلاف ملحق كلمات الاسبوعي بجريدة الأخبار اللبنانيّة عدد السبت
لندن
8 مارس 2025