مقهى كاسترو في كوبنهاغن: وطن صغير على تخوم الغربة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ليست المقاهي، في حياة الإنسان المهاجر، أماكن لشرب القهوة فحسب، بل هي محطات روحية، ومرافئ صغيرة، يستريح عندها القلب من تعب المنافي، وتستعيد فيها الذاكرة شيئًا من دفء المدن الأولى. فالمقهى، حين يتحول إلى عادة يومية، لا يبقى طاولة وكرسيًا وفنجانًا، بل يصبح جزءًا من السيرة الشخصية، وملحقًا وجدانيًا للوطن البعيد.
في منطقة النوربرو في كوبنهاغن، ذلك الحيّ المعروف بتنوعه الثقافي والاجتماعي، يقع مقهى كاسترو، قريبًا من الساحة التي تُعرف بين الناس باسم الساحة الحمراء، وتحمل رسميًا اسم ساحة موسكو. وهناك، على لافتة حمراء مصنوعة من حروف حديدية، تُكتب الكلمة الروسية: Москва، كأن المكان أراد أن يجمع في زاوية دنماركية هادئة شيئًا من رمزية الشرق، وشيئًا من ذاكرة المدن التي عبرتها الأفكار والثورات والمنفيون.
لم يكن مقهى كاسترو بالنسبة لي مجرد مقهى أزوره بعد انتهاء دوامي الرسمي في الأكاديمية. لقد صار مع الوقت جزءًا من برنامجي اليومي، ومكانًا أستعيد فيه توازني الداخلي بعد ساعات العمل، وأفتح فيه كتابًا، أو ألتقي صديقًا، أو أترك عينيّ تتابعان حركة الناس في الشارع. أجلس هناك غالبًا مع فنجان قهوتي البرازيلية، ذلك الفنجان الذي صار رفيقًا صغيرًا لطقوسي اليومية، أحتسيه ببطء، كما لو أنني أحتسي معه شيئًا من الطمأنينة.
في هذا المقهى تلتقي وجوه كثيرة. أجانب من أصول مختلفة، دنماركيون من طبقات ومهن وثقافات متعددة، مثقفون، طلاب، عابرون، غرباء، ومقيمون حملتهم الحياة إلى هذا الركن من المدينة. لكل واحد منهم حكايته، ولكل وجه أثره. بعضهم يأتي هاربًا من الوحدة، وبعضهم باحثًا عن حديث، وبعضهم عن صمت، وبعضهم عن زاوية يكتب فيها أو يقرأ أو يتأمل. وهكذا يتحول المكان إلى لوحة إنسانية مفتوحة، لا يسأل فيها أحد الآخر عن أصله بقدر ما يشاركه لحظة حضور عابرة.
ولعل ما يشدني إلى مقهى كاسترو هو هذا التنوع الإنساني الهادئ. ففيه أجد تعويضًا رمزيًا عن مقاهي بغداد العريقة، تلك المقاهي التي لم تكن في يوم من الأيام مجرد محلات تجارية، بل كانت مؤسسات ثقافية واجتماعية وسياسية غير معلنة. كانت مقاهي بغداد مدارس مفتوحة للصحافة والأدب والسياسة والفن. فيها كانت تُناقش الكتب، وتُقرأ الجرائد، وتُصاغ الآراء، وتولد الصداقات، وتُدار المعارك الفكرية بهدوء أو بصخب.
لكن الفرق بين مقاهي بغداد ومقهى كاسترو هو فرق العمق التاريخي. فمقاهي بغداد تحمل على جدرانها غير المرئية أصوات أجيال من الشعراء والكتّاب والصحفيين والسياسيين والحالمين. كانت شاهدة على تحولات العراق، على صعود الأفكار وانكسارها، على الأحلام التي كبرت في صدور الشباب ثم داهمتها العواصف. أما مقهى كاسترو، فهو حديث نسبيًا، ينتمي إلى مدينة مختلفة، وإلى تاريخ مختلف، لكنه يملك جاذبية خاصة؛ جاذبية المكان الذي يمنح الغريب فرصة أن يصنع ذاكرته الجديدة دون أن يتخلى عن ذاكرته القديمة.
حين أجلس في كاسترو، لا أغادر بغداد تمامًا. بغداد تأتي معي، تجلس قبالتي، تفتح دفترها القديم، وتهمس لي بأسماء المقاهي والشوارع والوجوه. أستحضر مقاهي الرشيد، وضجيج المتنبي، وحوارات المثقفين، ورائحة الشاي العراقي، ووجوه أولئك الذين كانوا يجعلون من الجلوس في المقهى فعلًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن حضور ندوة أو قراءة كتاب. كانت بغداد تعرف كيف تجعل من المقهى مسرحًا صغيرًا للحياة، وكيف تمنح الكلام قيمة، والصمت معنى.
أما في كوبنهاغن، فالمشهد مختلف. هنا النظام أكثر هدوءًا، والإيقاع أقل صخبًا، والناس يحترمون المسافة الشخصية بين إنسان وآخر. لا أحد يقتحم عزلتك، ولا أحد يفرض عليك حديثًا لا تريده. ومع ذلك، فإن هذا الهدوء لا يخلو من دفء خفي. ففي مقهى كاسترو، تتجاور اللغات كما تتجاور الطاولات. تسمع الدنماركية، والعربية، والإنكليزية، وربما الإسبانية والروسية ولغات أخرى لا تعرفها، لكنها تمنحك إحساسًا بأن العالم كله يمكن أن يجلس في مقهى واحد، وأن الغربة حين تتعدد أصواتها تصبح أقل قسوة.
لقد وجدت في هذا المكان امتدادًا لحاجتي القديمة إلى المقهى بوصفه فضاءً للحرية. ففي المقهى يستطيع الإنسان أن يكون وحده دون أن يشعر بالعزلة، وأن يكون بين الناس دون أن يفقد خصوصيته. يستطيع أن يقرأ، أو يكتب، أو يتأمل، أو يراقب الحياة وهي تمر أمامه. وربما لهذا السبب صرت أقضي في مقهى كاسترو معظم لقاءاتي الاجتماعية، وأجعل منه مكانًا للقراءة والتفكير واستعادة الذات.
هناك، بعد الدوام الرسمي، أجلس وكأنني أخلع عن كتفي تعب اليوم. أضع أوراقي أمامي أحيانًا، أو أفتح كتابًا، أو أترك القلم يتحرك على الصفحة باحثًا عن فكرة. كثير من الأفكار التي تولد في المقاهي ليست أفكارًا مرتبة سلفًا، بل تأتي من لحظة خاطفة: وجه عابر، جملة سمعتها دون قصد، ضوء يدخل من النافذة، أو رائحة قهوة توقظ ذكرى بعيدة. والمقهى الجيد هو ذلك الذي يوقظ فيك ما كنت تظنه نائمًا.
ولا أخفي أنني، كلما جلست في كاسترو، شعرت بأن الغربة ليست مكانًا خارجيًا فقط، بل حالة داخلية تحتاج إلى ترويض مستمر. فالإنسان لا يغادر وطنه مرة واحدة، بل يغادره في كل يوم قليلًا، ويعود إليه في الذاكرة كثيرًا. وحين يجد في المنفى مكانًا يأنس إليه، فإنه لا يلغي غربته، بل يمنحها شكلًا أكثر احتمالًا. وهذا ما فعله مقهى كاسترو معي. لقد أعطاني زاوية أستطيع أن أرى منها العالم دون أن أفقد علاقتي بالمكان الأول.
إن للمقاهي قدرة عجيبة على صناعة أوطان صغيرة داخل المنافي الكبيرة. وقد يكون الوطن أحيانًا طاولة قرب النافذة، أو فنجان قهوة، أو صديقًا يأتي في الموعد، أو كتابًا نعود إليه كل مساء. وقد يكون الوطن أيضًا ذكرى تستيقظ على رائحة البن، أو حوارًا عابرًا مع إنسان لا يشبهك في اللغة، لكنه يشبهك في الحنين.
مقهى كاسترو، بالنسبة لي، ليس بديلًا عن بغداد، ولا يمكن لأي مكان أن يكون بديلًا كاملًا عن مدينة الطفولة والتكوين والذاكرة. لكنه صار مكانًا أتصالح فيه مع المسافة بيني وبينها. في بغداد كانت المقاهي جزءًا من تاريخ المدينة، أما في كوبنهاغن فقد صار هذا المقهى جزءًا من تاريخي الشخصي. وبين التاريخين تمتد سيرة طويلة من السفر، والمنفى، والعمل، والقراءة، والحنين.
وهكذا، حين أجلس في مقهى كاسترو قبالة ساحة موسكو، أجد نفسي بين عالمين: عالم تركته ولم يتركني، وعالم أعيش فيه وأحاول أن أفهمه وأحبه. وبين بغداد وكوبنهاغن، بين مقاهي الذاكرة ومقهى الحاضر، أكتشف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى وطن كبير كي يشعر بالانتماء؛ أحيانًا يكفيه مكان صغير، دافئ، مألوف، يضع فيه فنجان قهوته، ويترك قلبه يستريح قليلًا.
2026-05-28