ما بعد احتكار الرواية
غزة وأزمة المعنى في النظام الغربي
بقلم: خالد صالح عطية
إشارة توثيقية:
يستفيد هذا المقال، في بعض أفكاره المتعلقة بالنكبة بوصفها مشروعًا تأسيسيًا، وخطة “دالت”، وآليات محو الذاكرة الفلسطينية، وعلاقة اللغة السياسية بإخفاء العنف، من كتاب المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليفة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2007.
لم تكشف حرب غزة هشاشة النظام الدولي فقط، بل كشفت شيئًا أعمق وأكثر حساسية:
أن العالم الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن يحتكر القوة وحدها، بل يحتكر تعريف المعنى نفسه.
فطوال عقود، لم تقم البنية المهيمنة داخل النظام الغربي الحديث على التفوق العسكري أو الاقتصادي فحسب، بل على سلطة أخلاقية ومعرفية أكثر تعقيدًا:
القدرة على تحديد من هو الضحية، ومن يملك حق الألم، ومن تُروى مأساته بوصفها مأساة إنسانية كونية، ومن يُختزل موته إلى “تفصيل أمني” أو “ضرر جانبي”.
بهذا المعنى، لم يكن النظام الذي نشأ بعد 1945 مجرد توازن قوى دولي، بل نظامًا لإنتاج الشرعية الأخلاقية ذاتها. نظامًا لا يكتفي بإدارة السياسة، بل يُعيد تعريف ما يُعتبر إنسانيًا، وما يُعتبر عنفًا مشروعًا، ومن يملك الحق في رواية التاريخ.
لكن القوة الحقيقية لهذه البنية لم تكن في قدرتها على إخفاء الوقائع فقط، بل في قدرتها على تنظيم الإدراك نفسه. فالرواية المهيمنة لا تعمل كشرح للعالم بقدر ما تعمل كبنية تحدد مسبقًا ما الذي يمكن رؤيته أخلاقيًا، ومن الذي يُفهم بوصفه إنسانًا كاملًا داخل المجال السياسي والأخلاقي.
هي لا تُنتج التفسير فقط، بل تُنتج شروط الرؤية ذاتها:
من يستحق التعاطف، ومن يُفهم كتهديد، ومن يتحول وجوده نفسه إلى “مشكلة أمنية” أو “ديمغرافية”.
ولهذا، لم يكن تغييب الفلسطيني مجرد غياب إعلامي أو سياسي، بل إعادة تشكيل للمجال الأخلاقي العالمي بحيث يصبح اقتلاع شعب كامل ممكنًا دون أن يهتز الضمير الغربي بالدرجة نفسها التي يهتز بها أمام مآسٍ أخرى.
ومن هنا تحديدًا، لا يمكن فهم المكانة الخاصة التي احتلتها إسرائيل داخل البنية الغربية الحديثة بوصفها مجرد تحالف سياسي أو عسكري. فإسرائيل لم تكن فقط حليفًا استراتيجيًا للغرب، بل جزءًا من البنية الأخلاقية والرمزية التي أعادت صياغة العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ولذلك، لم يكن الدفاع الغربي عنها دفاعًا عن دولة فقط، بل دفاعًا عن سردية كاملة تأسس عليها النظام الدولي الحديث.
لكن هذه السردية لم تتشكل بعد الحرب فقط، بل تأسست منذ اللحظة الأولى التي جرى فيها تحويل اقتلاع شعب كامل إلى قصة “ولادة دولة”.
احتكار المعنى بعد 1945
وهنا تحديدًا تكمن الأهمية الجذرية لما كشفه المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، ليس فقط في كتابه التطهير العرقي في فلسطين، بل في مجمل مشروعه الفكري الذي أعاد تفكيك البنية المعرفية المؤسسة للرواية الإسرائيلية الحديثة.
فبابيه لم يقدّم النكبة بوصفها “أثرًا جانبيًا” لحرب 1948، بل بوصفها فعلًا تأسيسيًا مقصودًا، جرى التخطيط له مسبقًا ضمن ما عُرف بخطة “دالت”، التي لم تكن مجرد خطة عسكرية، بل مشروعًا لإعادة هندسة المجال الفلسطيني ديمغرافيًا وتاريخيًا وأخلاقيًا.
لكن الأعمق في طرح بابيه لا يكمن فقط في كشف العنف، بل في كشف كيفية اختفاء هذا العنف داخل اللغة نفسها التي وُلد بها النظام الدولي الحديث.
فالنكبة، كما يكشف بابيه، لم تُنفَ تاريخيًا فقط، بل جرى استبعادها من البنية الأخلاقية للعالم بعد الحرب العالمية الثانية.
كان الحديث يدور عن “قيام إسرائيل”،
لا عن تدمير فلسطين.
وعن “عودة شعب إلى أرضه”،
لا عن اقتلاع شعب آخر من أرضه.
وعن محاولة أوروبا معالجة إرثها التاريخي بعد الحرب،
لا عن المأساة الفلسطينية التي جرى تهميشها داخل النظام الدولي الناشئ.
ولم يكن العنف الإسرائيلي مخفيًا بالكامل، بل كان حاضرًا داخل الوثائق والخطط والأوامر العسكرية، لكن ما اختفى فعليًا هو توصيفه الأخلاقي.
فالعالم لم يعجز عن رؤية الاقتلاع، بل أعاد تسميته بلغة تجعل رؤيته مستحيلة أخلاقيًا:
“إخلاء”،
“نقل سكان”،
“هروب”،
“ظروف حرب”،
“مشكلة لاجئين”.
أي أن الجريمة لم تُمحَ من التاريخ بقدر ما أُعيدت ترجمتها إلى لغة تمنع إدراكها بوصفها جريمة. وكما يوضح بابيه، فإن اللغة السياسية التي استُخدمت بعد 1948 لعبت دورًا مركزيًا في تحويل التطهير العرقي من فعل مرئي إلى حدث قابل للامتصاص داخل الرواية الغربية الحديثة.
وهنا تحديدًا تظهر المسألة الأكثر خطورة:
لم يكن الفلسطيني مهزومًا عسكريًا فقط، بل جرى إخراجه من موقع “الإنسان التاريخي” أصلًا.
فالرواية المهيمنة لم تتعامل معه بوصفه شعبًا يمتلك تاريخًا وحقًا وسيادة، بل بوصفه فائضًا ديمغرافيًا داخل مشروع أكبر. ولهذا لم يُقدَّم اقتلاعه كتحطيم لعالم قائم، بل كشرط ضروري لولادة عالم “حديث” جديد.
لقد وُلد النظام الأخلاقي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية وهو يحمل تناقضه التأسيسي في داخله:
إدانة التطهير العرقي في أوروبا، بالتوازي مع فشل النظام الدولي في إدراك المأساة الفلسطينية ضمن البنية الأخلاقية الجديدة.
رفض العنصرية بوصفها جريمة كونية، بالتوازي مع نشوء كيان استيطاني قائم على الإحلال الديمغرافي والسيطرة البنيوية.
وتحويل الضحية الأوروبية إلى مركز أخلاقي للعالم، مقابل تغييب الضحية الفلسطينية من البنية الرمزية ذاتها.
وربما لم يكن التناقض التأسيسي للنظام الدولي بعد 1945 في فشله في منع العنف، بل في إعادة توزيع شرعية العنف جغرافيًا وأخلاقيًا.
فبعد أن أصبح التطهير العرقي داخل أوروبا جريمة مطلقة، جرى التعامل مع اقتلاع الفلسطينيين بوصفه جزءًا من إعادة ترتيب العالم بعد الحرب، لا بوصفه مأساة إنسانية مكافئة في الوعي الأخلاقي العالمي.
وهكذا لم يُلغَ منطق الإقصاء، بل أُعيدت صياغته داخل لغة أخلاقية جديدة.
النكبة بوصفها تأسيسًا أخلاقيًا للنظام
وهذا ما يجعل مساهمة بابيه أخطر من مجرد “تصحيح تاريخي”.
إنه يكشف أن الرواية الإسرائيلية لم تنتصر لأنها “أكثر إقناعًا”، بل لأنها اندمجت داخل البنية الأخلاقية والسياسية للنظام الغربي نفسه، حتى أصبحت جزءًا من تعريفه لذاته بعد الحرب.
ومن هنا يمكن فهم كيف تحوّلت النكبة، لعقود طويلة، إلى غياب عالمي منظم.
لم يكن الفلسطيني غائبًا عن الإعلام فقط، بل عن اللغة التي يُفهم عبرها العالم أصلًا.
كان حاضرًا بوصفه:
لاجئًا،
مشكلة إنسانية،
خطرًا أمنيًا،
أو “عقبة أمام السلام”،
لكن ليس بوصفه شعبًا جرى اقتلاعه ضمن مشروع استعماري إحلالي متكامل.
ولم يكن المشروع الصهيوني قائمًا على السيطرة على الأرض فقط، بل على إعادة كتابة معنى الأرض نفسها. وكما يشرح بابيه، فإن تدمير القرى الفلسطينية لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل جزءًا من عملية محو منظم للذاكرة والجغرافيا الفلسطينية عبر تغيير الأسماء وإزالة الآثار المادية للوجود الفلسطيني.
فالقرية الفلسطينية لم تُدمَّر بوصفها بنية مادية فحسب، بل بوصفها ذاكرة وهوية ودليلًا تاريخيًا على وجود سابق يجب أن يختفي.
ولهذا لم يكن محو الأسماء وتغيير الخرائط تفصيلًا رمزيًا، بل جزءًا من عملية إعادة إنتاج الواقع نفسه:
أي بناء عالم يبدو فيه اقتلاع الفلسطيني وكأنه لم يحدث أصلًا.
فالتطهير الرمزي هنا لم يكن أقل أهمية من العنف المادي، بل كان جزءًا من إعادة هندسة الذاكرة والجغرافيا والزمن.
أي إعادة بناء المجال الرمزي نفسه بحيث يصبح المستعمِر هو “الطبيعي”، بينما يتحول صاحب الأرض إلى غياب تاريخي.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم كيف تشكّل مفهوم “الأمن الإسرائيلي” بوصفه لغة أخلاقية لإدارة الإزالة الديمغرافية.
فحين يصبح وجود شعب كامل خطرًا ديمغرافيًا مسبقًا، تتحول الإزالة نفسها إلى فعل يُقدَّم باعتباره دفاعًا عن البقاء.
وهنا تحديدًا يتقاطع الاستعمار مع السردية الأمنية:
لا بوصفه احتلالًا ظاهرًا فقط، بل بوصفه إعادة تعريف للضحية وللخطر وللحق في الوجود نفسه.
وفي مقاله الفكري المنشور في جريدة الأخبار بتاريخ 23 أيار 2026، يطرح الدكتور إياد البرغوثي إشكالية شديدة العمق تتجاوز القراءة التقليدية للحرب العالمية الثانية بوصفها “انتصارًا على الفاشية”، ليكشف كيف أن النظام الذي نشأ بعدها لم يُنهِ منطق الهيمنة بقدر ما أعاد إنتاجه ضمن بنية جديدة أكثر تعقيدًا، احتكرت تعريف الضحية والجريمة والمعنى الأخلاقي نفسه.
أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في نقد الصهيونية بوصفها امتدادًا لمنطق الهيمنة، بل في كشفه للطريقة التي تحوّل بها النظام الدولي نفسه إلى بنية تنتج الشرعية بصورة انتقائية، وتعيد توزيع الأخلاق داخل خرائط القوة.
وربما لا تكشف غزة فقط حدود ازدواجية المعايير الغربية، بل تكشف مأزقًا أعمق يتعلق بالبنية التي تأسست عليها الحداثة السياسية الغربية نفسها:
أي القدرة على الجمع، في اللحظة ذاتها، بين خطاب كوني عن الإنسان، وبين نظام عالمي يوزّع الإنسانية بصورة غير متساوية.
غزة وانهيار احتكار الرواية
غير أن ما تكشفه غزة اليوم يتجاوز حتى هذه القراءة نفسها.
فنحن لا نعيش فقط لحظة انكشاف أخلاقي، بل لحظة تآكل في قدرة النظام على احتكار تفسير هذا الانكشاف.
لقد اعتاد النظام الغربي، لعقود طويلة، على امتصاص تناقضاته عبر السيطرة على الرواية: إعادة تأطير العنف، إدارة الإدراك، تحديد اللغة، وإعادة إنتاج الشرعية حتى في أكثر لحظاته تناقضًا.
لكن ما حدث بعد غزة حمل عنصرًا مختلفًا.
لأول مرة منذ عقود، لم يعد بالإمكان احتواء فائض العنف داخل السردية نفسها التي كانت تمنحه شرعيته.
لم يكن الأمر متعلقًا بالمعلومات، فالعالم لطالما عرف الحروب والمجازر.
لكن الانفجار هذه المرة كان في انهيار القدرة على إعادة تفسير المشهد أخلاقيًا بالفاعلية السابقة نفسها.
فالصور الخارجة من غزة لم تُحدث صدمة بسبب حجم الدمار فقط، بل لأنها وضعت الخطاب الغربي أمام تناقض لم يعد سهل الامتصاص:
كيف يمكن لنظام يقدّم نفسه بوصفه حارسًا لحقوق الإنسان أن يبرر هذا المستوى من العنف المفتوح، ثم يواصل الحديث باللغة الأخلاقية نفسها دون أن يتآكل معناها؟
وهنا تحديدًا بدأت تظهر التشققات الأكثر حساسية داخل المجال الغربي نفسه.
لم يعد الأمر محصورًا في الجامعات الأمريكية والأوروبية، رغم مركزية ما جرى فيها من احتجاجات واعتصامات كسرت — للمرة الأولى منذ عقود — السقف التقليدي للنقاش حول فلسطين داخل الفضاء الأكاديمي الغربي.
فالتصدع امتد إلى الشوارع والعواصم الأوروبية نفسها، حيث خرجت مئات الآلاف في لندن وباريس ومدريد وبرلين وروما وأمستردام وفيينا وغيرها، في موجات احتجاج متواصلة تجاوزت — في بعض اللحظات — كل ما شهدته أوروبا منذ حرب العراق.
ولم تكن أهمية هذه الحشود في أعدادها فقط، بل في طبيعتها أيضًا:طلاب،نقابات،معارضون للحرب،فنانون،
أكاديميون، وجيل أوروبي جديد لم يعد يتعامل مع فلسطين باعتبارها “قضية خارجية”، بل بوصفها اختبارًا أخلاقيًا يمس صورة الغرب عن نفسه.
وفي المجال الثقافي، بدأت التصدعات تضرب واحدة من أكثر البنى حساسية داخل أوروبا: الفضاء الرمزي والثقافي الذي طالما قدّم نفسه بوصفه حارسًا للقيم الليبرالية وحرية التعبير.
ففي مهرجانات سينمائية أوروبية كبرى — من برلين إلى كان والبندقية — تحولت غزة إلى نقطة اشتباك علني داخل الثقافة الأوروبية نفسها.
خطابات الفنانين، والرسائل المفتوحة التي وقّعها مخرجون وممثلون عالميون، والجدل الذي رافقها لم تكشف فقط انقسامًا حول إسرائيل وغزة، بل كشفت أزمة أعمق تتعلق بحدود حرية التعبير حين يصبح نقد إسرائيل جزءًا من النقاش العام.
وفي ألمانيا تحديدًا، ظهر الارتباك بصورة أكثر حدة بسبب ثقل الذاكرة التاريخية المرتبطة بالهولوكوست داخل الوعي السياسي والثقافي الألماني. لكن حتى داخل هذا السياق شديد الحساسية، بدأت أصوات فنية وأكاديمية وثقافية تعترض على تحويل هذه الذاكرة إلى أداة لإغلاق النقاش أو تجريم التضامن مع الفلسطينيين.
وقد وصل الأمر إلى تحذير شخصيات ومؤسسات ثقافية من أن المناخ المرتبط بالحرب على غزة بات يدفع بعض الفنانين العالميين إلى التردد في المشاركة داخل الفضاء الثقافي الألماني خوفًا من الرقابة أو التشويه المعنوي.
ولم تتوقف هذه التشققات عند المجال الأكاديمي أو الثقافي أو الشارع، بل بدأت تظهر — ولو بصورة مترددة ومتناقضة — داخل بعض البنى السياسية الأوروبية نفسها.
ففي البرلمان الأوروبي، وفي عدد من البرلمانات الوطنية، بدأت ترتفع أصوات تتحدث بصورة أكثر مباشرة عن الكارثة الإنسانية في غزة، وعن ضرورة وقف الحرب، بل وعن مسؤولية الغرب نفسه في استمرارها.
كما أن الانقسامات التي ظهرت داخل المواقف الأوروبية الرسمية كشفت أن الإجماع الصلب الذي حكم الرواية الغربية لعقود لم يعد متماسكًا كما كان، خصوصًا مع مواقف أكثر وضوحًا صدرت عن دول مثل إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا، ومع تصاعد الاعتراض داخل قطاعات سياسية ونقابية وحقوقية أوروبية واسعة.
ولهذا، لم يعد الأمر متعلقًا فقط بالدفاع عن الفلسطينيين، بل بتحوّل غزة إلى مرآة يرى الغرب داخلها تناقضاته الخاصة.
ولهذا كان رد الفعل الرسمي في أوروبا والولايات المتحدة شديد الحساسية والعنف أحيانًا.
لأن الخطر الحقيقي لم يكن في المظاهرات بحد ذاتها، بل في احتمال تحوّل الانكشاف الأخلاقي إلى أزمة داخلية في شرعية الرواية المؤسسة للنظام.
ومن هنا يمكن فهم ما جرى مع النشطاء الأوروبيين الذين حاولوا كسر الحصار عن غزة بحرًا.
فالطريقة التي جرى التعامل بها معهم — من الملاحقة والاعتقال والتشويه الإعلامي — كشفت أن المسألة لم تعد أمنية أو سياسية فقط، بل مرتبطة بحماية حدود الرواية ذاتها.
لم يكن التهديد الحقيقي في سفينة صغيرة، بل في احتمال تحوّلها إلى رمز يكشف أن الحصار لم يعد مجرد “إجراء أمني”، بل بنية عنف يصعب أخلاقيًا الدفاع عنها.
ومع ذلك، فإن ما ينهار اليوم ليس النظام نفسه، بل احتكاره للمعنى.
وهنا تكمن النقطة الأكثر تعقيدًا وخطورة.
فالأنظمة المهيمنة لا تسقط لحظة انكشافها، بل غالبًا ما تبدأ — عند اهتزاز روايتها — بتطوير آليات أكثر تعقيدًا لامتصاص التناقض وإعادة إنتاجه داخل البنية نفسها.
وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن انكشاف الرواية لا يؤدي تلقائيًا إلى انهيار البنية التي حملتها. فالأنظمة المهيمنة لا تفقد قدرتها بمجرد افتضاح تناقضاتها، بل كثيرًا ما تعيد تنظيم أدوات السيطرة نفسها بصيغ أكثر صراحة وخشونة.
وما نشهده اليوم في الغرب قد لا يكون نهاية احتكار المعنى، بقدر ما يكون انتقالًا من مرحلة الهيمنة الناعمة إلى مرحلة الضبط المباشر للمجال الأخلاقي والخطابي.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم في أوروبا والغرب عمومًا ليس فقط أزمة رواية، بل بداية انتقال إلى مرحلة جديدة من إدارة الهيمنة:
توسيع تعريف “التطرف”،
إعادة ضبط الفضاء الأكاديمي،
مراقبة الخطاب،
إعادة تعريف التضامن بوصفه تهديدًا،
وتحويل المجال الأخلاقي نفسه إلى ساحة ضبط أمني ورمزي.
أي أن النظام، بدل أن يتراجع، يحاول إعادة تنظيم أدوات سيطرته على المعنى بعد أن فقد قدرته السابقة على احتكاره بسلاسة.
وربما تكمن أهمية اللحظة الراهنة في أن تآكل احتكار الرواية لا يعني فقط انكشاف البنية المهيمنة، بل أيضًا ظهور فضاءات جديدة لإنتاج المعنى خارج مركزها التقليدي.
فالسردية الفلسطينية لم تعد تتحرك فقط عبر القنوات الدبلوماسية أو الإعلامية الكلاسيكية، بل عبر الجامعات، والمنصات الرقمية، والشبكات الحقوقية، والتحالفات العابرة للحدود، وجيل جديد لم يعد يتلقى الرواية الجاهزة كما كانت تُفرض سابقًا.
وهذا لا يعني أن ميزان القوة قد انقلب، لكنه يعني أن السيطرة على تعريف الحقيقة لم تعد أحادية كما كانت.
وربما هنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأكثر حساسية:
ليس حين يسقط النظام، بل حين يفقد قدرته على أن يكون المصدر الوحيد للمعنى.
وهنا يصبح السؤال أعمق من مجرد: هل تغيّرت الرواية؟
بل: هل يستطيع هذا الانكشاف أن يتحول إلى قوة تاريخية تعيد تعريف المجال الأخلاقي والسياسي عالميًا، أم يُعاد امتصاصه داخل البنية نفسها بصيغة أكثر صرامة؟
حتى الآن، يبدو أننا نعيش لحظة بينية شديدة التعقيد:
الرواية القديمة تتآكل، لكن النظام الذي يحملها لم ينهَر.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أخطر من مجرد “أزمة شرعية”.
فنحن لا نشهد سقوط بنية مكتملة، بل صراعًا على من يملك حق تعريف الحقيقة نفسها.
وربما للمرة الأولى منذ 1945، لا يجد العالم نفسه أمام أزمة سياسية فقط، بل أمام أزمة في البنية التي كانت تمنحه يقينه الأخلاقي.
فغزة لم تكشف عنف إسرائيل وحده، بل كشفت حدود اللغة التي حكمت العالم الحديث وهو يعرّف الضحية والعدالة والإنسان.
ولهذا، قد لا تكون اللحظة الراهنة بداية انهيار نظام مكتمل، بقدر ما هي بداية فقدانه القدرة على احتكار تفسير العالم أخلاقيًا.
وحين تفقد البنى المهيمنة احتكار المعنى، لا يسقط العالم فورًا… لكنه يدخل مرحلة يصبح فيها كل شيء قابلًا لإعادة التعريف:
التاريخ،والشرعية،والضحية، وحتى الإنسان نفسه.
لأن ما يتآكل الآن قد لا يكون النظام وحده، بل يقينه بأنه وحده من يملك حق تعريف الإنسان، والضحية، والعدالة، والمعنى.
وربما لهذا تبدو غزة، لأول مرة منذ عقود، ليست فقط مأساة إنسانية كبرى، بل لحظة بدأ فيها التاريخ يخرج تدريجيًا من احتكار الرواية الواحدة.
2026-05-30