تحديات عروبة مابعد الطوفان !
بقلم د. رفعت سيد أحمد
* بعد العدوان الاسرائيلي علي غزة لمدة 400 يوما منذ أكتوبر2023 بالتأكيد هذا العدوان ليس مثل قبله ..فالامة العربية التي دمرت لها (غزة )و(جنوب لبنان ) وضاعت منها (سوريا-العروبة ) ليست مثل الامة بعدها ..فثمة تحديات كثيرة ظهرت ووجب مواجهتها خاصة أنها تتصل بتحدي (الوجود) والبقاء في هذا العالم المرتبك وأطماع دوله العظمي ومخططاتهم الخطيرة والتي تهدد الامن القومي العربي ؛ ولعل المواجهة الصحيحة والصريحة هي (قمة القاهرة للدول العربية في 4 مارس)التي نأمل أن تكون معبرة عن القلق الشعبي العربي الجديد تجاه مخاطر الامن القومي في نسختها الجديدة والمثيرة !
********
أولا : بداية مما لاشك فيه أن (العروبة) كإنتماء وهوية لاكثر من 400مليون إنسان يعيشون على رقعة أرض تمتد لأكثر من 13 مليون كم2 (تحديداً 13.333.296 كم2 هى المساحة الإجمالية لـ22 دولة عربية) ، إنها هوية تعانى –اليوم 2025-اختطافاً، وارتباكاً شديدين، منذ اندلاع ما سُمى ب(طوفان الاقصي 2023)، وثمة مخططات عالمية ظهرت تهدف الي تدمير هوية هذة الامة وإستبدالها بهوية أخري لا تمت بصلة لهويتا العربية الجامعة ..هوية شكلها عربي وإسلامي ولكن جوهرها شرق أوسطي أمريكي وإسرائيلي !
* إن هذا ” الاختطاف للعروبة ” اليوم (2025) يحتاج لكي نقاومه بجدية الي العمل لكى نسترد تلك الهوية المختطفة بفعل عوامل معقدة، ومتراكمة لعقود، نحسب أن ” استرداد العروبة” يتطلب استراتيجية شاملة لإعادتها؛ عبر مواجهة صحيحة للتحديات الرئيسية الجديدة التى أدت إلى فقدانها أو خطفها، والتي وصلت الي حد (تهجير أهل فلسطين من أرضهم التاريخية ) في تصريحات حمقاء وأطماع أكثر حمقاوخطرا !
*********
ثانيا :هذا ويمكن محورة أبعاد تلك الاستراتيجية المنشودة التي نأمل من( القمة العربية )إعتبارها( مرجعا ومشعلا ثابتا )… فى الآتى:
1-: يأتى أول التحديات ممثلاً فى عملية مواجهة الإرهاب الملتحف زيفاً بالدين، والذى تعد ظاهرة (داعش) كتنظيم عابر للحدود، وكأفكار تكفيرية رافضة للحياة وللانتماء العربى أو الوطنى بإجمال، نموذجاً لها؛ إن الدلائل التى رشَّحت بعد دخول تيارات الإسلام السياسى على الثورات(المخترعة !) متحالفة مع المخطط الأمريكى الغربى، فى صفقات معقدة لسرقة تلك الثورات وتحويلها عن بوصلتها الحقيقية فى أغلب البلاد التى ابتليت بهم، تؤكد أن ثمة نتائج مدمرة أتت، أبرزها ذلك الافتعال المأزوم لصراع العروبة مع الإسلام، تلك القضية القديمة التى تتجدد، ولكن هذه المرة بالدم عبر داعش وأخواتها، وكأن الانحراف الحاد عن جوهر الثورات العربية الصحيحة، ليتحول أغلبها إلى عمليات إرهاب وقتل وفوضى سياسية وإنسانية شاملة، إن هذا التحدى أثر سلباً على ” العروبة ” كهوية وانتماء، ومطالب عادلة فى الحرية والمساواة، وطغى الإرهاب المتأسلم فى سوريا والعراق وسيناء (مصر) وليبيا، وانشغلت تلك البلاد – نخباً وشعوباً – بمواجهته، وانشغل معها باقى العرب، فتراجعت ” العروبة “، وأضحى الطريق إلى استعادتها فى تلك البلاد وحولها-خاصة بعد التحولات الدرامية في سوريا العروبة- يمر عبر مواجهة حادة مع ظاهرة “الإرهاب المعولم” تلك، وبدون هذه المواجهة، ستظل العروبة، فعل ماضى، وحلم غابر لأجيال، عاصرت ” الفكر القومى ” وشهدت بمرارة لحظات تراجعه تحت سيف الإرهاب، إن أى مواجهة جادة لظاهرة الإرهاب ” الداعشى ” تلك، تحاول أن نفصل بين البلاد المبتلاة به، إن المواجهة ينبغى أن تكون شاملة وبمعيار واحد وليس بعدة معايير، وأن يكون الهدف من تلك المواجهة هو استرداد (روح العروبة )الذى سلبه هذا الإرهاب ويحاول القضاء عليه .
***
2-: لا عودة حقيقية للعروبة من رحلة خطفها المتراكم عبر السنين إلا خاصة بعد (طوفان الاقصي ) والتوقف المؤقت لحرب الابادة الاسرائيلية الا بإعادة وضع (فلسطين) فى قلب أجندة تلك العودة؛ حيث فلسطين؛ القضية والأرض، هى قطب الرحى بالنسبة لقضايا العروبة على اختلافها وامتداداتها منذ الأربعينات من القرن الماضى إن استعادة العروبة كهوية .. إذن لابد وأن يمر عبر استعادة فلسطين كقضية تمثل للعرب والمسلمين قضية حق، وعدل، ورد لعدوان تاريخى دام حتي اليوم ( 77 ) عاماً.
***
3-: استرداد العروبة – أيضاً – لن يتحقق دونما العمل العربى المشترك، سواء أسميناه بحلم الوحدة العربية الاقتصادية والثقافية والسياسية أو بأى مسمى آخر
* إن الأرقام التى تناشد من بيدهم قرار الوحدة والعمل العربى المشترك، صارخة وواضحة، فهذه الثروة العربية تحتاج إلى إعادة توجيه إلى البلاد العربية الأشد فقراً وما أكثرها، وإذا ما علمنا أن حجم المستثمر من البنية العربية من ثروات العرب لا يتجاوز 10 مليار دولار سنوياً قياساً بقرابة الـ800 مليار دولار الموضوعة فى بنوك الغرب لاستثمارها هناك، فإن الأمر يحتاج إلى تحرك سريع لعلاج الخلل، وإذا علمنا أن 24% فقط من الأرض الزراعية العربية هى المزروعة بالمياه المروية والباقى يعانى من الجفاف والإهمال لعدم وجود أموال تدعم التنمية الزراعية وتحمى الأرض التى تموت ، وإذا أضفنا إليه أن حوالى 83 مليون عربى لا يحصلون على مياه شرب نظيفة وفقاً لتقرير المجلس العربى للمياه، فإن هذا أيضاً يحتاج إلى قرار سياسى واعى بالمخاطر، وإذا علمنا أن نسبة الأمية فى الوطن العربى قد وصلت إلى 30% ، فإن هذا مؤشر سلبى على حال الأمة التى تريد أن تنهض وتساير العصر، وتواجه الخطر
***
رابعاً : ولكى نسترد (العروبة) المختطفة أو المهددة بالموت، لابد من أن تعيد النخبة (الحاكمة والفاعلة ثقافياً وسياسياً) نقد أخطائها التاريخية، وعدم العيش فى عالم افتراضى من صناعتها، وأن تلتحم أكثر وبقوة مع الواقع المعاش، وأن تنتقح على العالم بفضاءاته الأخرى التى تتجاوز (الغرب)، وتذهب إلى أمريكا اللاتينية بثوراتها الوطنية وروحها الاستقلالية الجديدة القريبة إلى حد الحميمية مع قضايا العروبة وفلسطين، وإلى (الصين) و(روسيا) والفضاء الأفريقى على اتساعه وثراءه وعمقه الاستراتيجى للوطن العربى.
***
*إن ” العروبة ” – ختاماً – ليست خياراً، لنا فيه حق الرفض أو القبول، ولكنها – فى ظنى ومن واقع قراءة متعمقة للتاريخ العربى المعاصر – قدر، والقدر لا فكاك منه .
2025-03-09