لماذا تصر امريكا على استخدام أراضي الخليجي ضرب ايران؟؟
كتب: د. جواد عبد الوهاب
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: إذا كانت واشنطن تمتلك حاملات طائرات وبوارج وقواعد عسكرية عائمة قادرة على ضرب إيران من البحر، فلماذا تُصرّ على تنفيذ عملياتها انطلاقاً من أراضي دول الخليج؟ السؤال يبدو عسكرياً في ظاهره، لكنه في الحقيقة سياسي واستراتيجي بامتياز. الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى الأراضي الخليجية كي تصل إلى إيران.
قوتها البحرية والجوية الهائلة تمنحها القدرة على تنفيذ عمليات واسعة من خارج المنطقة المباشرة. لكن استخدام القواعد الخليجية يحقق لواشنطن أهدافاً أعمق بكثير من مجرد تسهيل الضربات العسكرية.
أول هذه الأهداف هو تثبيت الارتباط الأمني الكامل بين دول الخليج وواشنطن. حين تصبح القواعد الأمريكية جزءاً أساسياً من أي مواجهة مع إيران، فإن دول الخليج تتحول تلقائياً إلى أطراف داخل المعادلة الأمنية الأمريكية، سواء أرادت ذلك أم لا. بمعنى آخر، تريد واشنطن أن يبقى أمن الخليج مرتبطاً عضوياً بالحضور العسكري الأمريكي، بحيث يصبح من الصعب على أي دولة خليجية أن تتخذ مساراً مستقلاً أو حيادياً في الصراعات الكبرى بالمنطقة.
أما الهدف الثاني فهو توزيع المخاطر العسكرية. فالولايات المتحدة تدرك أن الجمهورية الإسلامية تمتلك قدرات صاروخية ومسيرات قادرة على تهديد القواعد والسفن والمنشآت النفطية. لذلك تعتمد واشنطن على نشر قواتها وقواعدها في عدة دول ومناطق لتقليل الخسائر المحتملة إذا تعرضت إحدى المواقع للاستهداف.
لكن هذه الاستراتيجية الأمريكية تحمل ثمناً باهظاً على دول الخليج نفسها. فمن وجهة النظر الإيرانية، أي قاعدة تُستخدم ضدها تتحول مباشرة إلى هدف مشروع للرد. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ تنتقل دول الخليج من موقع “الحليف” إلى موقع “ساحة الاشتباك”.
وهذا ما يفسر حالة القلق والرعب التي تظهر في المواقف الخليجية كلما تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، حيث تحاول العديد من الدول الخليجية التأكيد بأنها لا ترغب في أن تكون أراضيها منطلقاً لأي حرب، لأنها تدرك أن الردود الإيرانية لن تفرّق كثيراً بين القاعدة الأمريكية والدولة المضيفة لها. وهي استراتيجية تبنتها الجمهورية الإسلامية بعد ساعة واحدة فقط من من شن امريكا وإسرائيل عدوان رمضان. الهدف الأمريكي لا يقتصر فقط على ردع إيران، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة.
فكلما ازداد اعتماد الخليج على المظلة الأمريكية، ازدادت قدرة واشنطن على التأثير في القرار السياسي والعسكري والاقتصادي لدول المنطقة. خاصة بعد الأصوات التي بدأت تظهر في بعض الدول الخليجية والداعية إلى اعادة النظر في استراتيجية الحماية. وفي المقابل، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد:
كيف تحافظ على تحالفها الأمني مع واشنطن دون أن تتحول إلى خط مواجهة مباشر مع الجمهورية الإسلامية؟ هذه هي المعضلة التي تكبر مع كل تصعيد جديد، وتجعل المنطقة بأكملها تعيش فوق حافة توتر دائم، حيث قد تتحول أي ضربة عسكرية إلى شرارة تؤسّس لصراع يشمل الجميع.
وهكذا تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة شديدة الحساسية: فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تحول أراضيها من مناطق نفوذ واستقرار اقتصادي إلى ساحات اشتباك مباشر.
2026-05-30