فزعة الكرام….!
رنا علوان
كان هناك دائمًا مثل يُرددّه كِبار السن على مسامعي [ لو خليت فنيت ] وأكاد اجزم ان لهذا المثل مرادف في كل بلد من بلاد اشقائنا العرب ، يحمل نفس المعنى ولكن بلهجتهم الخاصة بهم
وكما يُعرِّف أحد المفكرين مصطلح ( الفزعة ) ضاربًا بعض الأمثلة ، بقوله
تماهياً مع ظاهرة الكسل الفكري يعتقد الكثير ان لفظ (الفزعة) من الألفاظ الشعبية ، لكن العلّامة ابن منظور في لسان العرب يقول :
ان لفظ فزِع الى القوم ، أي استغاثهم
وفزِع القوم وفزعهم فزْعاً وأفْزعهم ، بمعنى أغاثهم
وفزِع اليه: لجأ ، فهو مفْزعٌ لمن فزِع اليه أي ملْجأٌ لمن التجأ اليه
وفي موروثنا الديني والأخلاقي مفاضلة لبعض الأعمال ، على سبيل المثال( الاعتكاف) ، له في الاسلام فضل عظيم وأجرّ كبير ، كيف لا وقد فرِغ المسلم لربه وانقطع عن ملذات الدنيا
لكن من يقضي حوائج الناس ويغيث الملهوف [أجره أعظم من المعتكف]
قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين)
وقصة نبي الله موسى عليه السلام في القرآن تقدم أنموذجاً رائعاً لأصحاب النجدة والمروءة الذين لا تسمح لهم شيمهم بالتفرج والتردد في العون والمساعدة
فعندما فر موسى عليه السلام هارباً من بطش فرعون ثم ورد ماء مدين فوجد الناس يسقون ووجد امرأتين قد تنحيتا جانباً تنتظران ان يفرغ الرجال حتى تسقيا
فلما عرف حاجتهما لم ينتظر منهما طلب المعونة والمساعدة وهو (الشهم الكريم) بل بادر وسقى لهما
وذات يوم رجع الامام علي عليه السلام الى داره في وقت القيظ
فاذا امرأة قائمة تقول: ان زوجي ظلمني وأخافني وتعدى علي وحلف ليضربني
فقال: يا أمة الله اصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك ان شاء الله
فقالت: اذن يشتد غضبه علي ، فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول : لا والله أو يؤخذ للضعيف حقه غير متعتع !! وانطلق معها
لا شك ان الزلزال كان بمثابة كارثة كبيرة ، خلّف وراءه مُصابًا جللًا ، فما شاهدناه من توثيقات تُحاكي الكارثة ، ينفطر لها القلب ، وما يزيد من هول المُصاب هو هذا الصقيع الذي يطحن العظام من شدة قساوته
لقد اصبح من نجا دون مأوى ودون غطاء ، يلتحف جراحه واوجاعه النفسية والجسدية معاً ، فآلام الفقد تُعادل الآم الجسد بأضعاف ، حيث انها تترك نُدبة في الروح لا تُشفَ ، ولأن الله اخصّ عباده الصالحين بالرحمة ، كانت بالمقابل توثيقات يفرح القلب بها لشدة صدقها
ولا اريد التكلم عن من أفاض الله العزيز عليهم بكرمه ، بل سأذكُر من لا يملك إلا الستر فاراد مشاركته مع من إمتُحن ، علّ الله يشملهم معًا بجزاء الحُسنَى ، والأجر العظيم
إنّ اكثر ما علق بذهني من جمال وروعة هذه التوثيقات كانت امرأة عراقية لا تملك شيئًا سوى دموعها ودعائها ، حيث صادف مرورها من مكان مُخصص وضع في ركن من اركان السوق لاستقبال ما تيسّر من تبرعات ( لسد الرمق ) فما كان منها سوى ان انهارت واجهشت بالبكاء ، لقد كان لدعائها الصادق وقع في القلب ، وانا كلي ايمان بأن الدعاء يصنع المعجزات ، فما حدث من انتشال أحياء بعد مدة طويلة تحت الانقاض كانت بمثابة معجزة ، هم رووّها بأنفسهم
وهذه السيدة غيضٌ من فيض ، فأصحاب القلوب الجميلة كُثر
وكان لرجل آخر لا يملك سوى سيارة أُجرة يعتاش منها وعائلته ، فقرر بيعها والتّبرُع بثمنِها
لقد شاهدنا مواقف تجعلنا نأكل أنفسنا خجل ، ولا يسعنا القول إزاءها سوى أن الدنيا لا زالت بألف ألف خير ، ومن يتحدث عن غضب الله عز وجل ما هو سوى جاهل ، يرمي العزيز الجبار بسوء فهمه
هو الله الذي لا يُعطِ علمه لأحد ، فبدل الإكثار من إعطاء المواعظ لبعضنا بعضًا ، كان الأجدر بنا أن نعمل على إيقاظ الرحمة في قلوبنا ، كي يرحمنا الله وهو بالتأكيد أرحم الراحمين ، وإن من يمتحنه الله سوف يعطيه أجره ، وليس منا بأحد غير مُمتحن
أما وقفة الدول الاشقاء فهو مُفرح ايضًا ، والجسور التي مُدت على سبيل التضامن ، وبلد المليون شهيد التي سارعت كأول دولة تحدّت وكسرت الحصار ، والعراق المعروفة بكرمها ، وفلسطين الحبيبة التي لا تملك سوى لحم ابنائها لتقدمه، فعملت على تشكيل 27 فريقًا تطوعيًا يضم نحو ألف شاب فلسطيني ينتشرون الآن في المناطق المنكوبة في تركيا ويمارسون مهام الإنقاذ والإسناد بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية ، فيما انتقل جزء من هذه الفرق إلى الشمال السوري لإسناد فرق الدفاع المدني ومساعدة المنكوبين ، وسوف لن اذكر باقي الدول كي لا ابخسهم حقهم فالجميع كان على قدرٍ عالٍ وجميل
ختامًا ، نسأل الله عز وجل ان يجعل ما حدث أخر الأحزان ، وأن يمن على الدول العربية والاسلامية بالنصر والخير وان يعيد اللُحمّة بينهم وأن لا يجعل بينهم مكانًا للتفرقة
2023-02-16