زفرة حرّى: موقف طريف و مخجل مع فتاة جميلة…ماذا فعلت بنا أحداث العالم العربي؟ اسماعيل القاسمي الحسني
عكفت خلال الايام الماضية على قراءة كتاب رؤية استراتيجية لزبيغنيو بريجنسكي، وكتاب الاستراتيجية ومحترفو الأمن القومي لهاري آر بيرغر؛ ومن المؤكد أني لست بوارد التعليق هنا بخصوص المضمون الدسم للغاية الموجود بين دفتي كل منهما، و إنما كان من بين ما خلصت إليه، هو “القيمة العدمية” للأمة العربية، ككتلة بشرية أو حتى موقع جغرافي، في حسابات صراع القوى العظمى و الصاعدة في القرن الواحد والعشرين.
خرجت يوم أمس كأي مواطن عربي كسيح الجيب و العقل، لأقتني بعض الحاجات من السوق، وكنت محظوظا حين استطعت شراء لترين من الزيت و رطلا كاملا من الزيتون و قليلا من الجبن؛ غادرت السوق و قد حيزت لي الدنيا وما فيها (كما في الحديث آمنا في سربي و معي قوت عيالي)، عائدا الى البيت مباشرة، فليس من طبعي الترحال بين كراسي المقاهي، وأنفر من الوقوف في الشارع لتجاذب أطراف الحديث مع هذا و ذاك، و كما هو معلوم يكون عادة رصيف السوق مكتظا بالمارة، لاح لي من بينهم أحد معارفي وهو رجل في عقده الثامن، من كبار الأكاديميين مكانة و خبرة في مدينتنا، توقف الرجل معتمدا على عصاه ينتظرني، وما أن سلمت عليه بادرني بالسؤال قائلا: يا أستاذ لن تمر إلا إذا أجبتني عن سؤال يؤرقني، ما حقيقة الصراع في هرم السلطة؟. فاختصرت الجواب: يا سيدي أي عقل يستوعب حالة رجل عمل مع عصابة خمسة عشر عاما كتفا لكتف، ثم في طرفة عين يعلن عليها الحرب !؟ تبسّم الشيخ و عقب: وفّيت و كفّيت لقد فهمت.
مضى في طريقه، و انطلقت كذلك في اتجاهي لكن عاصفة من الأسى و الحسرة، اندفعت من اخمص قدمي لتجتاح كياني كلّه؛ في بضع ثواني و بضع خطوات، تداعت الى ذهني كثير من المعلومات التي مازالت طرية في ذاكرتي من رؤية بريجنسجكي للعالم؛ أين نحن؟ أين عقولنا؟ أين المادة الرمادية في جسم هذه الأمة؟ هل في جسدها نخاع شكوي أم لا؟ رجل أكاديمي في عقده الثامن بلغت به الحال الى أن يغرق في مشهد معقد المأساوية الى حد إمكانية وصفه بالكوميديا ! بريجنسكي يستعرض الصراع بين مجموعة قوى ليس بينها قوة عربية واحدة، لا فاعلة و لا حتى موضوع المفعول به، بل لم يتعرض لباكستان إلا بوصفها قوة نووية، و لا لإيران إلا لاحتمال أن تكون كذلك؛ ماليزيا قوة مضافة و ليست أصيلة، تأثير الدول الإسلامية الثلاث محدود ورهين بالتحالفات؛ الدول و الأنظمة تعمل بجد على وضع استراتجيات ليس لتعزيز قوتها فحسب،وإنما لتوسيع نفوذها خارج حدودها الجغرافية و الثقافية فضلا عن الاقتصادية طبعا. و نحن بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال، مازال العقل مكبلا بموضوع نهب المال العام، وغياب القانون وانعدام العدالة، نعيش كما البهائم هائمة على وجوهها في غابة لا نعرف متى تفترسنا وحوشها أو متى تلدغنا زواحفها.
لا يتسع المقال لسرد تفاصيل المعلومات التي تدفقت الى العقل، لتشتعل بداخلي نار فيها خليط بين الغضب و الأسى و الحسرة، ليس على حالة الجزائر فحسب، و إنما حالة المغرب و أزمته و تونس و هي على صفيح يغلي، و ليبيا و سوريا و اليمن و مآسيها، و فلسطين المغيّبة، أين الأسرى و أين الأقصى و أين “السلام” بل أين دولة الورق التي أشار لها محمود درويش؟ أين نحن و أين هذه الأمة؟ هل بين قادتها و بطانتهم رجل عاقل؟.
خليط المشاعر كان يرتفع بقوة مع ارتفاع عدد الأسئلة، حتى شعرت بكتلة هوائية من أعماقي انفجرت “زفرة حرى” بصوت سمعه كل من كان لحظتها بقربي على الرصيف، بل شعر بأجيجها كذلك؛ محل الطرفة هنا أن صدور الزفرة المسموعة صادف وجود فتاة جميلة كانت على بعد خطوتين مني في الاتجاه المقابل، ما جعل الناس يعتقدون مباشرة أني وقعت صريع محيّاها، و أن دماغي على شيبة الرأس قد أفلت عقاله الهوى، احمرّت وجنتا الصبية خجلا من رجل في مقام والدها يتصابى، أو لعل مشاعر الغرور الفطري لدى الأنثى هي من فعلت ذلك، كيف لا و هي العشرينية التي يتهالك الشيب على مرأى الناس أمام ناظرها ! ما زاد الموقف حرجا هو أنه كان خلف الفتاة ثلاثة شبان وصلهم صوت تحسّري، و أجزم كذلك أنهم أحسّوا بلهبه المندفع، فأطلقوا ثلاثتهم و في وقت واحد زفرة أعلى صوتا، تعاطفا معي و توكيدا على أن الفتاة تستحق أن تذهب النفس حسرات عليها ما لم يظفر بها؛ أو سخرية من كهل انتكس فجأة و علانية الى المراهقة.
هذه حال من يعيش بين ضفتي العلوم المعاصرة و واقع يجسّد مرحلة بدونة الدول العربية و قَبَلَنَتِها سمتها اهتراء متزايد الكسح .
و الله المستعان على كل حال.
الفلاح الجزائري
2017-08-13
وكأنني كنت أسير معك على ذلك الرصيف المكتظ بالناس لصدق إحساسك بوصف تجربتك.
كم هو مؤلم أن ينشغل رجل في الثمانين من عمره بهموم وطنه وأن يعيش القلق في نهاية عمره!
إنه الحال في كب الدول العربية
ضياع وقلق وَوَهن وغياب الأمل بالمستقبل تراه على وجه كل إنسان يبحث عن الحياة في هذا العالم العربي المجنون.
سلمت يداك على مشاركتك لنا بإحدى تجاربك اليومية.
تعليق واحد
وكأنني كنت أسير معك على ذلك الرصيف المكتظ بالناس لصدق إحساسك بوصف تجربتك.
كم هو مؤلم أن ينشغل رجل في الثمانين من عمره بهموم وطنه وأن يعيش القلق في نهاية عمره!
إنه الحال في كب الدول العربية
ضياع وقلق وَوَهن وغياب الأمل بالمستقبل تراه على وجه كل إنسان يبحث عن الحياة في هذا العالم العربي المجنون.
سلمت يداك على مشاركتك لنا بإحدى تجاربك اليومية.