عندما كنت طالبا في جامعة دمشق قسم التاريخ وفي السنة الثانية تحديدا،كنت مدرس لمقرر (الثقافة القومية اﻻشتراكية)، يومها تعرفت والكثير من طلابك على فكرك العقﻻني التنويري…
عرفتنا على معنى اﻷمة والقومية والوحدة والحرية واﻻشتركية والديمقراطية، كما عرفتنا على المعنى الحقيقي للوطن والمواطنة، ومن هم اﻷعداء الحقيقيون لهما، وهي المرجعيات التقليدية وعلى رأسها الطائفية والعشائرية والقبلية والمذهبية، ثم يأتي عدو الخارج وهو اﻻستعمار.
مع أحداث الثمانينيان من القرن الماضي كنت تحاضر بنا في ندوات الشبيبة، فعلمتنا أيضا ماهو الفكر السلفي الرجعي، وما هي اﻷصالة والمعاصرة، بعد ذلك رحنا نتابع فكرك فيما تكتب فقرأنا من التراث إلي الثورة، ومشكلات الثورة الثقافية في الوطن العربي، ومن يهوه إلى الله، وبواكير الفكر العربي، وغيرها من كتبك ومقالتك..لقد كنت انت المعلم الذي نستقي منه معالم طريق النهضة.
منذ أيام أرسل لي صديقي الكاتب (أحمد الجاسم) من الكويت الشقيق، مقاﻻ لك نشرته في صحيفة(اﻻتحاد اﻷماراتية) بعنوان ( عاصفة حزم والمشروع العربي)، تقول فيه إن هذا المشروع الذي يقوده آل سعود ضد الحوثيين اليوم يشكل بداية مشروع النهصة العربية.
وهذه هي المرة الثانية التي أصدم فيها بسبب تحوﻻتك الفكرية، فالمرة اﻷولى كانت عندما قابلتك قناة الجزيرة بعد مؤتمر الحوار التشاوري الذي عقد في دمشق، والذي حضرناه معا وكنت عضو لجنة صياغة البيان الختامي له، يومها في هذه المقابلة قدمك معد البرنامج بإسم (د.محمد الطيب تيزيني).
وهذا اﻹسم المضاف لم تكن إضافته عبثا، بل كان يحمل شحنات طائفية بغيضة لم نعهدها عندك. وليس مقالك في صحيفة اﻻتحاد حول مشروع حزم السعودي الخليجي اليوم أقل من إضافة هذا اﻹسم طائفية أيضا.
أنا ﻻأقول ياسيدي إن ما دفعك لهذا التحول الفكري/ السياسي هوالبترودوﻻر، ﻻ.. فأنت أكبر من ذلك بكثير…وإنما السبب كان هو ما عانيته من حصار ومحاوﻻت اعتداء على شخصك من قبل القوى الرجعية (السلفية ) في سورية، هذه القوى التي حاصرتك مع انتهازيي العلمانية مثلما حاصرت كل القوى التقدمية العلمانية والتنويرية في سورية.
ومع ذلك ﻻيبرر لك ولكل من تبنى تحوﻻتك الفكرية أو سار فيها من مثقفي ومفكري سورية نحو القوى الرجعية وفكرها
السلفي الظلامي…أﻻ تتذكر ياسيدي عندما جئت محاضرا إلى ديرالزور، يومها سألتني عن أوضاعي فقلت لك بأنني محاصر فكريا، فقلت لي: عليك أن تعلم إن القوى الرجعية واﻻنتهازية هي اﻷقوى اليوم وعلينا أن نقاوم. ها انت اليوم ياسيدي تهرب من المقاومة لتقف في صف أعداء الوطن وتحرض على الفكر الطائفي البغيض…
أما نحن طﻻبك الذين علمتنا الفكر العقﻻني التنويري فلم نزل نتمسك به وعبره نتمسك بالوطن والدفاع عن حريته وعن استمراية التأكيد على المواطنة والحرية والعدالة واليمقراطية ودولة القانون والتعددية السياسية وتحرير المرأة ومحاربة الفكر الرجعي السلفي الوثوقي التكفيري، ولن نتراجع عن ذلك ولن نؤمن بأن آل سعود وأمراء الخليج هم من سيحمل مشعل النهضة العربية في قتالهم للحوثيين، ولن يكون عندنا الخطاب الوهابي ومن يمثله هو خطاب الفرقة الناجية.