حصاد الدم الفرنسي من زرع غباء قيادته السياسية والأمنية
اسماعيل القاسمي الحسني
لا شك أن ما حدث في فرنسا ليلة السبت الماضي في 13 من هذا الشهر، جريمة بشعة تستوجب كل عبارات الادانة والاستنكار، ولن أطنب في التعبير عن ذلك لأنه بات “الاطناب” فيه، وتوشيحه بعبارات بيانية للاستدلال أوالتدليل على التعاطف، أمرا بحد ذاته مستهجنا ومقززا، ثم ماذا بعد الادانة والاستنكار وعبارات الشجب وما الى ذلك؟ هنا مربط الفرس، ماذا كان قبل الحدث وما بعده.
استهداف فرنسا بعمليات إجرامية، ليس أمرا مفاجئا لدى العارفين والمتابعين الجديين، بل نذكر هنا أن التحذيرات التي تلقتها فرنسا، نتيجة دعمها للعمل المسلح في سوريا وقبلها في ليبيا، كانت نصحا مرتكزا على معرفة وخبرة، غير أن القيادة الفرنسية، وغيرها من ببغوات العرب، قدمت للرأي العام المحلي (فرنسيا) والدولي، على أن ذلكم النصح ليس سوى مغالطة، يراد بها تخويف فرنسا ومن دار في فلكها، للتراجع عن سياساتها الخارجية، خاصة منها دعم التيارات المتطرفة تحت عنوان: الدفاع عن حريات الشعوب، ولعمري إن آخر من يحق له – إن حُق له أصلا- على وجه البسيطة، رفع تلكم الشعارات الوهمية قطعا لن يكون سوى فرنسا.
لعل القارئ الكريم، يذكر في مقال هنا بصحيفة رأي اليوم من الشهر التاسع لعام 2014، أشرنا لمعلومة بالنسبة لنا مؤكدة، تفيد بزيارة رئيس جهاز المخابرات الفرنسية لدمشق، طلبا للتعاون في مجال المعلومات التي تعني الجماعات الارهابية؛ وقلنا حينها دون تفصيل أن دمشق رفضت جملة وتفصيلا الطلب بالصورة وبالأجندة الفرنسية؛ وكانت الشخصيات الرسمية الفرنسية، تنفي بشكل قاطع أي تواصل من هذا القبيل مع سوريا؛ لكن وبعد ثلاثة أيام من نشر المقال هنا، أكدت صحيفة Le Monde الفرنسية بأن رئيس جهاز المخابرات الفرنسية قام بزيارة دمشق في اواخر شهر أوت على ما أذكر 2014.
الجرائم التي ارتكبت في قلب باريس، دعت لذاكرتي تفاصيل ذلكم اللقاء التي أبيت حينها التطرق إليها، لأسباب ليس هنا متسع لتفصيلها، كما لا أراها مهمة للقارئ، بقدر ما أرى أن بعض الخطوط العريضة لمنطق عقل المخابرات الفرنسية، وتعاطي هذه الدولة مع الشأن السوري هوالأهم. وأعتقد أنه من المفيد الاشارة الى أن ما يرد في المقال، مصدره الشخصية التي التقت برئيس جهاز المخابرات الفرنسية.
كانت الساعة تشير للعاشرة ليلا، حين أقلتني سيارة تحت حراسة مشددة، لمنطقة أمنية في دمشق، وكان عنوان لقائي بالشخصية المضيفة، والتي تعد من أقرب الشخصيات للرئيس بشار الأسد، ويعول عليها في بعض المواقف التي تقتضي “الدبلوماسية الموازية”، أوكما يحلوللبعض وصفه بقنوات الاتصال غير الرسمية، قلت كان موضوع اللقاء يتوزع لنقاط كثيرة، وما يهمنا هنا هوالعلاقة مع الدول الغربية ما وراء الستار.
فاجئني المضيف عند هذه النقطة تحديدا، بمعلومة استقباله لرئيس جهاز المخابرات الفرنسية، وأنه غادر لتوه المكتب، وحيث كنت أجلس مازالت الأريكة تحتفظ بشيء من حرارة الحوار.
الجانب الأمني الفرنسي جاء لدمشق يطلب تعاونا استخباراتيا، لكنه محصور على تقديم دمشق قوائم أسماء عناصر ارهابية، سواء منها فرنسية الأصل أوتلكم التي تحمل جنسيتها، التي تعمل على الاراضي السورية، ليس فقط العناصر التي تمارس بشكل مباشر العمل المسلح، وإنما من يرتبط بها توجيها أوتدريبا أوتمويلا.
يقول محدثي: ما علمت وجوها لدى البشر بمثل خلاعة وجوه قيادات العالم الغربي، فنحن حتى وإن تبوأ أحدنا منصبا رفيعا يقتضي ضبط النفس والأعصاب، إلا أنه متى وجهت له إهانة لفظيفة، لاشك أن الانفعال سيبدوفي اضعف الأحوال على وجهه، هذا إن تمالك لسانه ولم رد بما هوأسوء، بيد ان قيادات الغرب، حتى وإن اسمعت أحدهم أقسى وأقذر الشتائم، فلا يبدوعليه أي انفعال، الى درجة أن تشك في أنه لم يفهم أصلا ما قلت، أوأنه لا يملك بالمرة كرامة تنتفض عند المساس بها.
ويواصل محدثي كلامه: حين طلب ما طلب الجانب الفرنسي، كان قبلها بساعات فقط، الرئيس فرونسوا اولاند يصرح بأنه لا مجال للتواصل مع القيادة السورية لكونها فاقدة الشرعية، وأن رحيل الأسد بات ضرورة وأولوية لا تراجع عنها، وبين الواقع الذي كنت أعيشه في مكتبي بوجود رئيس جهاز المخابرات الفرنسية، وبين ما يصرح به رئيس دولته على مرآى ومسمع العالم، سألته: أي نوع من خلاعة الوجوه تلبسون؟ كيف تطلب بصفتك الرسمية ما تطلب، في حين يستبق رئيسك اللقاء بتصريح مناقض تماما؟ وأي خلاعة عقل لديكم تجعلكم تتوهمون مجرد وهم، أننا في هكذا موقف نقبل بالتعاون معكم؟.
يقول محدثي: جواب رئيس المخابرات الفرنسية دون الحديث عن صفاقة الوجه، لم يكن صادما من هذا الجانب فحسب، وإنما لا أقول في درجة الغباء الموغلة، بل أقول في حالة الكبر الأعمى، الذي أوهمهم إمكانية استغفالنا واستغبائنا، لمجرد أن يتكلموا، تأمل رد رئيس المخابرات الفرنسية: لا تلقي بالا لفرونسا اولاند وما يقول، فهولا يفقه شيئا في عالم الأمن، هورجل سياسة يهذي كغيره من السياسيين، الأصل عندنا نحن رجال الأمن، ونحن من يقدّر خطر الارهاب، وإذ جئتكم هنا ليس لحماية اولاند وإنما لحماية فرنسا دولة وشعبا من خطره، لأننا على قناعة بأن تداعيات ما يحدث هنا في الشرق الاوسط ستكون كارثية على اوروبا، وقد سعينا لاقناع الرئيس أولاند بهذه الرؤية، لكنه لم يلتفت الى تحذيراتنا، ولهذا أنا هنا لتجنيب فرنسا كوارث نخشى وقوعها راجيا تفهمكم.
يرد ممثل الجانب السوري (غير الرسمي) بالقول: إذا كنت تتصور بأننا أغبياء لدرجة قبول ما قلت، فإن درجة غبائك صادمة حقا، ذلك أنك أحد الرجلين، فإما أنك قدمت إلينا مكلفا من قبل الرئيس اولاند، وفي هذه الحالة جوابك لا يستقيم مع ما صرح به ولا مع واقعك، وإما أنك جئت من وراء ظهر الرئيس وهذا أمر لا يتأتى الوقوع، ولكن نقول لك في الحالة الثانية: أن وجودك بسورية غير مبرر، ومغادرتك تكون أحسن عمل تقوم به، لأننا نتعامل مع دول ورؤساء أجهزة لا مع عصابات وذئاب منفردة على هذا المستوى.
أفهم أن بعض – أقول بعض – القراء، يرى فيما ورد بالمقال مجرد كلام إنشائي، بل قد تكون قصة هزلية، نعم أفهم ذلك جيدا وأتفهمه، لأن جزء من العقل العربي مع الأسف، لدية صورة نمطية عن رجل “الغرب” العادي فكيف بالمسؤول السامي والرفيع، أنه يتمتع بأعلى درجات الذكاء التي تلامس خطوط العبقرية، ومن بنات هذه الصورة النمطية الراسخة، أن ما يأتي من روايات الغرب كلها “حق يقين” غير قابل للنقاش فضلا عن رده، وما نرويه نحن مجرد هرطقة.
من المؤكد بالنسبة لدينا، أن ما قبل جريمة 13يوم من سياسة فرنسا في ليبيا وسوريا، كان عاملا قويا وفاعلا في وقوع ما وقع، وللتذكير فإنه منذ رفض تعاون سوريا مع فرنسا إلا بما تقتضيه مصلحة سوريا أولا، والى غاية الجريمة الأخيرة، أخفقت السلطات الأمنية الفرنسية في صد ثلاث عمليات إرهابية؛ والسؤال الأهم الذي يتجاوز عبارات الادانة والتنديد، ماذا بعد؟
وفق التصريحات الاولى للسيد اولاند، التي لا تخلومن الاستعراض البهلواني للجمل، من قبيل “سنعلن حربا دون هوادة ضد الارهاب”، ووفق ما انتهى اليه لقاء فيينا الأخير، فإن الموقف الفرنسي المشترى من قبل دولة خليجية، لم ولن يتغير حيال الأزمة السورية، وهنا لا أعني تنحية الرئيس بشار الأسد وغيرها من الهرطقات الفارغة، التي يتبعها الغاوون، ونراهم في كل أودية السياسة يهيمون؛ بل أعني الجانب العملي والميداني، أي مواصلة دعم الجماعات المسلحة على الأرض السورية، والمضي في هذه الخيار لا يعني إلا تكرار ما وقع، هذا الأمر كما أكدنا عليه من قبل هنا مرارا، نؤكد ودون تردد بأن العمليات الارهابية في اوروبا ستزيد سعارا، إلى أن يتراجع قادتها عن سياستهم في الشرق الاوسط، هذه المعادلة لن تتغير، لأنها شبيهة بسنن الكون التي لا قبل للانسان أيا كان أن يغيرها بمشيئته.
نقول وللمرة الألف، هذا ليس تهديدا وإنما تحذير، وإن كنت شخصيا أخشى بأن الوقت قد فات حتى وإن غيرت الدول الاوروبية مواقفها، ذلك أن هذه الجماعات بفكرها العنفي المتطرف عابر للحدود، وتأثير قياداتها ورموزها ومرجعياتها “الدينية” قد فعل فعله في مواطنين يقطنون في القارة العجوز، ومن أصولها أبا عن جد، ليس أبدا بالضرورة أن يكون الارهابي وافدا جديدا، ولا أن يكون من عرق وأصل غير اوروبي.
وستحصد فرنسا وغيرها مزيدا من دماء أبنائها على أراضيهم، جراء زراعة الغباء السياسي والأمني في عالمنا العربي المنكوب.
فلاح جزائري
2015-11-17
