إستراتيجية البقاء في زمن ما بعد الغرب..!!
غيث العبيدي*
«مقاربة تحليلية في السيادة المعرفية وإنتاج النموذج البديل»
▪️ المقدمة : الإشكالية ومنهج المقاربة.
تشهد المنظومة الدولية تحولاً بنيوياً عميقاً، تمثل في تفكك أحادية المركز الغربي، وصعود تعددية قطبية ”معرفية وتقنية وإقتصادية“ وقد أفرز هذا التحول ما يمكن تسميته بـ ”زمن ما بعد الغرب“ بمعنى إنهيار أحتكار الغرب لتعريف الحداثة والتقدم والشرعية السياسية.
في هذا السياق، تواجه المجتمعات الأسلامية ”العربية منها تحديداً“ معضلة إستراتيجية ثنائية الأبعاد، فإما الإندماج الكلي الذي يؤدي إلى أستلابها بالكامل، أو الأنعزال الرفضي الذي يؤدي إلى تهميشها، وكلا الخيارين يقودانها إلى الخضوع والخنوع والتبعية.
وعليه، تطرح هذه الورقة فرضية مركزية مفادها، أن إستراتيجية البقاء في زمن ما بعد الغرب، لا تقوم على محاكاة النموذج الغربي ولا على مقاطعتة، بل على إنتاج مشروع ”السيادة المعرفية” القائم على الأنتقاء الواعي للأدوات وصياغة الغايات وإنتاج نموذجها البديل.
أولاً: مظاهر التبعية المركبة.
يمكن تشخيص الوضع الراهن عبر أربعة أبعاد متداخلة:
- البعد التقني والمعرفي: عاشت المجتمعات العربية عقوداً من الزمن في حداثة مستوردة، فكانت دائماً في موقع المستهلك للتقنيات والمنصات والخوارزميات المنتجة في الغرب، ونتج عن ذلك عجز أمني وإبتزاز سياسي، وغياب القدرة على التحكم في البنى التحتية للمعرفة.
2 . البعد الاقتصادي: غلب على البنية الإقتصادية العربية الطابع الريعي والإستهلاكي، مما أولد هشاشة بنيوية جعلتها أول ضحايا الأزمات العالمية.
3 . البعد الأجتماعي: ساد أنقسام حاد في المجتمعات العربية، بين خطاب تقليدي منغلق يرفض التحول، وخطاب تغريبي يتنكر للمرجعيات الجامعة. ونتج عن ذلك تفكك إجتماعي وفقدان للبوصلة القيمية والأخلاقية.
4 . البعد السردي: سلم العرب حق تعريف النجاح والتقدم بما فيها تعريف ”الأنسان” لغيرهم، فكانت النتيجة إنهم أستخدموا أدوات غيرهم بفلسفة غيرهم لخدمة أهداف غيرهم.
وبذلك يمكن القول بإننا كنا ومازلنا أمام ”حداثة مستوردة “ تقوم على إستعارة الأدوات والفلسفة والأهداف معاً.
ثانياً: نقد الخيارين التقليديين.
1 . فخ الأستغراب:
الأستغراب بوصفه تبنياً غير نقدي للنموذج الغربي، المصدر للفردانية التي أذابت الأسرة، والعقلانية التي بررت كل شئ، والعلمانية التي أفرغت الإنسان من قداستة.
وهكذا نموذج قوي في الأنتاج، لكنه هش في البقاء، وقابل للشراء بسهولة، لكونه نتاج سياق تاريخي خاص لا يمكن تعميمه، ويكرس سلطة تعريفية بيد الغرب تجعل جميع الأطراف في دور المختبر لها والممتحن فيها.
2 . فخ القطيعة:
الدعوة إلى الرفض العلم، وتجاهل طابع العالم الشبكي، والذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية، وسلاسل القيمة العالمية، هي بمثابة التنازل الطوعي عن أمتلاك أدوات السيادة المعرفية، فتتحول القطيعة هنا إلى اداة تؤدي إلى العزلة والتهميش والزوال.
ثالثاً: الإطار البديل.
تقترح هذه الورقة “السيادة المعرفية” كإطار إستراتيجي بديل، ويُقصد بها، قدرة الفاعل الحضاري الأسلامي على امتلاك أدوات السيادة المعرفية، وإتقان لغتها وصياغة غاياتها من داخل الأسلام نفسه، وإنتاج سردية دافئة المعنى تجمع بين الحداثة والهوية، ولا تحول الأنسان إلى مجرد رقم في خوادم البيانات، حتى تجذب الآخرين لها، وتجنبهم الأستبعاد والأستعباد.
▪️ الخاتمة: النسخة المسلحة بالمعرفة.
أن التحدي الإستراتيجي في ”زمن ما بعد الغرب“ ليس تحدي هوية، بل تحدي وجود ومشروع.
وإن خيارات المستقبل، أما أستمرار بالتقليد الأعمى والذي يؤدي إلى الذوبان، أو الرفض الذي يؤدي إلى العزلة، أو صناعة النموذج الذي يؤدي إلى الحضور والتأثير.
وبناء عليه، فإن إستراتيجية البقاء في زمن ما بعد الغرب، تقتضي الإنتقال من موقع مستهلكي النموذج الغربي إلى موقع منتجي النموذج المحلي، عبر ترسيخ السيادة المعرفية بوصفها مشروع دولة ومجتمع.
والتوصية الختامية: إن الأولوية الآن ليست للنقاش الفلسفي، بل لتحديد القطاعات السيادية ذات الأولوية القصوى، للبدء بعملية تحويل هذا الإطار النظري إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ.
وبكيف الله.
- ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.
2026-07-29