جغرافيا الطاقة وجه آخر للحرب القائمة!

رنا علوان
في عام 2010 قدَّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية ، احتمال وجود زُهاء 122 تريليون م3 من مصادر الغاز غير المكتشفة في حوض شرق المتوسط ، قبالة سواحل سوريا ولبنان وفلسطين المُحتلة وغزة وقبرص
بالإضافة إلى ما يقارب 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج
وبالطبع هذه التقديرات لا تشمل الأرقام المتعلقة بحوض دلتا النيل
صحيح أن هذه الأرقام تبقى في إطار التقديرات ، إلا أنها لم تأتِ من فراغ ، فخلال العقود الماضية ، جرى اكتشاف العديد من حقول الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط
ففي 2009 مثلاً تم اكتشاف حقل تمار قبالة ساحل فلسطين المُحتلة ، ومع توالي الاكتشافات تحولت انظار الدول نحو المنطقة ، ولكن نظرة السارق تختلف عن غيرها من النظرات
لذلك أصبحت موارد الطاقة وأمن العدو الإسرائيلي … أمران ثابتان بالنسبة للشيطان الأميركي
وهذا الاستعداد عند الولايات المتحدة في إستخدام قوتها للدفاع عن مطامعها في منطقة الشرق الأوسط وحماية العدو الإسرائيلي ، قد يظنه البعض وليد أحداث 11 سبتمبر 2001 ، وهذا بالتأكيد ظنًا خاطئًا ، إنما هو استراتيجية قديمة وثابتة تجاه المنطقة ، بدأت بعد الحرب العالمية الثانية وتبلورت بوضوح مع بداية الحرب الباردة ، ثم اكتملت بإكتشاف الغاز الفلسطيني “المسروق إسرائيليًا” ، ولم يتغير في هذه الاستراتيجية الثابتة سوى وسائل المكر والهيمنة سعيًا لتحقيقها ، إذ فعَّلت الولايات المتحدة الاستخدام المباشر للقوة العسكرية ، غير آبهة بالقوانين الدولية
إذن ، تُعَدّ منطقة الشرق الأوسط لدى الولايات المتحدة “نموذجًا للسيطرة” الجيوسياسية ، لاحتوائها على أهم المضائق البحرية، وثروات الغاز العملاقة التي تتنافس عليها الدول الكبرى جميعًا، وأكبر احتياطي نفط في العالم ، فضلًا عن تشكيلها نقطة عبور لإمدادات أنابيب الغاز بين ثلاث قارات
وما شكّل رحمة في المنطقة هو ظهور إيران ونشرها نفوذها فيها ، حتى باتت السيطرة الكاملة على المنطقة اقتصاديًّا وسياسيًّا ، هدفًَا مُعقدًا وطويل المدى بالنسبة إلى الحليفين الأميركي واللقيط الإسرائيلي ، وبذلك اصبح الحل الوحيد للاستيلاء على ثروات المنطقة هو إضعاف إيران التي أصبحت فاعلًا جيوسياسيًّا ، وبزعمهم يهدّد الدول الخليجية النفطية ، إضافة إلى إفشال الأهداف الأميركية – الإسرائيلية القديمة ، عبر تفكيك الدول العربية وتفتيتها من الداخل ، وزرع منظمات ارهابية ، واحداث ثورات وانقلابات
ونلفت الإنتباه الى إن الغاز في شرق منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط يحظى بأهمية خاصة نظرًا لعدة عوامل:
أولاً ، الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة الأوسع التي يقع فيها وهي منطقة الشرق الأوسط التي تضم حوالي 47% من احتياطي النفط و41% من احتياطي الغاز في العالم
[ومازاد من أهميتها هو انفتاح البحر المتوسط على تقاطع آسيا وأوروبا وإفريقيا ، واتصاله بطرق التجارة العالمية عبر مضائق السويس والبوسفور وجبل طارق]
ثانيًا ، الصراع الروسي الأوكراني ، والعقوبات التي فرضت على روسيا ، وما قابله من قرارات روسية نتيجة العقوبات تلك
ثالثًا ، الآمال الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية والجيو-أمنية التي يحملها الغاز في تلك المنطقة بالنسبة إلى دول الجوار والتي قد تُشكل فارق كبير وعلى صعيد عالمي أيضًا
رابعًا ، المنافع السياسية والاقتصادية والأمنية التي افترض كثيرون أن الغاز سيأتي بها لدول المنطقة
وخامسًا وأخيرًا ، الصراع على استغلال ثروات الهيدروكربون والتنافس على طرق تصديرها والتزاحم على حصص الأسواق الخارجية ، بالإضافة إلى تحويل دول المنطقة إلى لاعب دولي صاعد في لعبة الغاز
كما تعتبر منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية مميزة في استراتيجية النظام العالمي والدول الكبرى ، وخصوصًا الولايات المتحدة ، للسيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة ، أو لتأمين وصولها عبرها ، فمَكمن القوة والنفوذ ، كما بات معلومًا ، لم يعد الترسانات العسكرية ، بل حجم التحكم في المخزون الطاقوي العالمي
ومع توالي الاكتشافات ، رفعت هذه التقديرات آمال دول شرق البحر المتوسط ، وفتحت شهية شركات النفط والغاز ، وألهبت التنافس الإقليمي على الموارد ، وجذبت انتباه القوى الدولية إلى ثروة إضافية وبؤرة صراع محتملة
وهنا نجد كيف يمارس العدو الإسرائيلي سياسة منع استفادة العرب من مواردهم الطبيعية ، وتعطيل مشاريع تطوير الغاز وإنتاجه لديهم وعرقلتها ، مثلما فعل مع حقل الغاز الفلسطيني “غزة مارين” منذ إعلان اكتشافه في عام 2000
كما أن اكتشاف الغاز في هذه المنطقة جاء مترافقًا مع مشاكل متعددة ، لعل أهمها:
1- معظم دول شرق البحر المتوسط لم تكن جاهزة لاستثمار الثروات قبالة سواحلها ، ومع بدء الاكتشافات قبل حوالي عقد من الزمان ، دخلت دول المنطقة في سباق مع الوقت
2- غالبًا ما كان الاتفاق على ترسيم الحدود وتحديد الحقول مع الدول المجاورة معلقًا ، لكن مع الاكتشافات الضخمة ، أصبحت المسألة مهمة للغاية ، وباتت موازين القوى أكثر أهمية في المعادلة
3- تدخل عوامل متعددة في تباطئ الإستفادة سواء داخليًّا أو للتصدير ، اهمها عدم وجود سوق للاستهلاك وبنية تحتية مناسبة
لذلك يتميز الصراع على الغاز في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط بتداخل أبعاده المختلفة السياسية والاقتصادية والقانونية والأمنية مع بعضها البعض ، وهو ما يجعله صراعًا معقدًا
بالنسبة لتركيا ، كانت ولا تزال حسابات تركيا السياسية المتعلقة بالغاز في شرق البحر المتوسط ترتبط بآمالها في أن يتحول اكتشافه إلى دافع لإنجاز مصالحة توحد شطري الجزيرة وتتيح لهما الاستفادة من الثروات المكتشفة
أما مصر ، فلقد توصل النظام المصري إلى اتفاقات مع كل من العدو الإسرائيلي وقبرص واليونان ، وتربط هذه الاتفاقات المصالح المكتسبة لتل أبيب ونيقوسيا وأثينا ببقاء النظام المصري في السلطة ، كما يضمن من خلال هذه الاتفاقات الحصول على دعم دولي غير مباشر له ، على اعتبار أن رحيله قد يقوض المكاسب التي حصلت عليها هذه الأطراف بفضله
فلسطين المُحتلة ، اصبح الغاز في حسابات العدو الإسرائيلي بمثابة رافعة سياسية وأمنية ، وإلى سلاح سياسي فعَّال لتحقيق التطبيع مع عدد من الدول العربية في الجوار الإقليمي
اما روسيا فلا يُمكن لها ان تكون غائبة عن الصراع ، صحيح أن الغاز في شرق البحر المتوسط لا يشكِّل بديلًا عن الغاز الروسي ولا يزاحمه ، إلا أن موسكو تريد أن تضمن احتكارها السوق الأوروبية من خلال حضورها أيضًا في أي مشاريع غاز مكمِّلة أو بديلة بحيث لا يؤثِّر ذلك سلبًا عليها ، وهذا هو ما تفعله بالتحديد ، فموسكو حاضرة في الصراع على الغاز في شرق البحر المتوسط من خلال شركات التنقيب عن الغاز (حالة لبنان)من خلال التمويل المالي (حالة قبرص اليونانية واليونان)، ومن خلال الوجود العسكري والاتفاقات الثنائية (حالة سوريا)
يتبقى الولايات المتحدة ، فهي حاضرة في منطقة شرق البحر المتوسط من خلال شركاتها ومن خلال علاقاتها ومبادرات الوساطة التي تقوم بها بين بعض أطراف النزاع بالإضافة إلى انتشارها العسكري في الشرق الأوسط ، وعبر كيانها اللقيط ، فكما تُصرّح دائمًا عبر رئيسها “لو لم يكن هناك اسرائيل ، لكان علينا ايجاد اسرائيل “
نجد كيف ان الصراع لا يتوقف بين دول حوض شرق البحر المتوسط على ترسيم المناطق والحدود ، وإنما يمتد إلى استغلال الثروات أيضًا بما في ذلك عملية تصديرها إلى الخارج
باستثناء تركيا ومصر، ليس هناك استهلاك ضخم للغاز من قبل دول المنطقة، ولذلك فإن كل الخيارات الممكنة لتصدير الغاز من حوض شرق البحر المتوسط تنظر بشكل أساسي إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية كسوق محتملة لكونها مستهلكًا ضخمًا للغاز من جهة ، ولقربها الجغرافي نسبيًّا من المنطقة مقارنة بمناطق الاستهلاك الكبرى في شرق آسيا
تعتبر مصر الاكثر حظًا في المنطقة ، بسبب افتقار الدول الاخرى الى البنية التحتية اللازمة للتصدير ، او ارتفاع التكاليف
كما ان مصر تمكنت من قلب المعادلة الخاصة بها بعد اكتشاف حقل “ظهر” العملاق ، فبما أن لدى القاهرة بنية تحتية جاهزة لأعمال التصدير من بينها منشآت لتسييل الغاز على ساحل المتوسط ، فهذا يعني أن القاهرة لن تحتاج إلى استثمارات ضخمة لنقل فائض الغاز إلى الأسواق الخارجية
كما ان الأفضلية الموجودة لدى مصر من الناحية اللوجستية بالإضافة إلى الدوافع السياسية لاستخدام ملف الغاز ، أغرت العدو الإسرائيلي وقبرص ، ولعل هذا ما يفسر التفاهمات الثلاثية المتزايدة بينهم
من هذا المنطلق بالتحديد يمكن فهم الاتفاق الأخير الذي جرى بين تل أبيب والقاهرة ، ففي هذه الحالة ، لن تحتاج تل أبيب إلى بناء منشآت تسييل أو خطوط نقل ، وإنما ستستخدم البنية التحتية المصرية ، وبذلك تكون قد وفرت الكثير من الاستثمارات كما أنها ضمنت شراء مصر لغازها
على صعيد آخر ، كان الاحتقان يتنامى بين لبنان والعدو الإسرائيلي ، وبدأ التفكير الجدي من قبل العدو بشن حرب على لبنان ، قابله تهديدات وتحديات من قبل الجانب اللبناني ، وصولا الى ضرب كاريش في حال اقدم العدو على اي حماقة ، محاولاً منع لبنان من استخراج حقه
وقد حاولت كل من قبرص وأميركا لعب دور الوسيط بينهما . ونزع فتيل الأزمة الى ان جاء الطوفان ، بإسلوبه المُباغت ليقلب كل حسابات العدو ومخططاته
كما ان وضع العدو حساسًا جدًّا لناحية انتشار منشآتها المتعلقة بإستخراج الغاز في مناطق واسعة بعيدًا عن الشاطئ الإسرائيلي ، الأمر الذي يجعلها عرضة للاستهداف السهل في حال تطور النزاع إلى عمل مسلح ، وربما يكون هذا ما يفسر توجه تل أبيب إلى تطوير قدراتها البحرية وتحصين منشآتها
ختامًا ، لقد أحدثت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر ، وما تلاها تغيرًا كبيرًا في المسارات الأمريكية القائمة في المنطقة ، ووضعت كل آمالها في مهب الريح ، لان ما يجري اليوم من تلاحم جبهات محور المقاومة المختلفة ، وعمليات الإسناد التي تجريها دعمًا للمقاومة في غزة ، نقلت المعركة لتصبح على مستوى الإقليم وبالتالي أصبح التهديد يطال مباشرةً المصالح الأمريكية في المنطقة ، وأصبحت علامات التحرر من النفوذ الأمريكي في المنطقة قاب قوسين او ادنى ، ما سيقطع بذلك سرقتها لكل من موارد سوريا والعراق بعد كل هذه السنوات ، وليس فقط ما كانت تخطط له وتسعى اليه ، وهذا ما يُفسر لنا استماتتها في توسيع رقعة الحرب ، وجعلها عالمية علها تجد خلاص ما على حساب احد من الدول الأخرى
2024-01-25