الدولة العميقة، الركن الثاني: النظام الراسخ!
زينب مهدي *
تخيل سُلماً وظيفياً يبدأ من الدرجة السابعة إلى الأولى و هي قمة السلم. الموظفون في هذه الدرجة ليسوا عاديين، بل هم (كبار المستشارين، مدراء، محللين، و مبرمجي البيانات و …) فوق هذا السُلّم تقع النخبة القيادية العليا التي تربط بين الوزير “المؤقت” وبين الهيكل الإداري “الدائم”. هؤلاء هم التكنوقراط و الركن البيروقراطي في “الدولة العميقة”. يتمتعون بحصانة قانونية تحميهم من الفصل أو تخفيض الدرجة الوظيفية. و مهمتهم هي “تجميد القرارات السياسية التي تهدد مصالح الدولة العميقة”.
عندما يصدر الرئيس أمراً (مثل إلغاء اتفاقية دولية)، يأخذه المدير و يغرقه في إجراءات إدارية معقدة حتى تنتهي فاعليته. و إذا أصر البيت الأبيض على تمرير القرار فوراً، تخرج وثائق داخلية حساسة من أدراج المكاتب لتستقر في صفحات الصحف الكبرى، مما يخلق أزمة رأي عام، تجبر الرئيس على التراجع.
لذا يسعى ترامب إلى إلغاء هذه الحصانة عبر ما يُسمى “الجدول F” ليتمكن من فصلهم واستبدالهم بموالين له.
يقسم القانون الأمريكي الموظفين الفيدراليين إلى فئتين رئيسيتين:
* الخدمة التنافسية: وهم غالبية الموظفين الذين يعينون بالكفاءة ويتمتعون بحماية كاملة من الفصل.
* الخدمة المستثناة: وهي وظائف خاصة، يحق للرئيس استثنائها من ضوابط التعيين والفصل المعقدة.
الآلية القانونية التي اعتمدها ترامب هي توسيع مفهوم “الخدمة المستثناة”. حيث أعاد تصنيف أي وظيفة ذات طابع “سري، أو مشارك في صياغة السياسات، أو مؤيد لها” ونقلها من الخدمة التنافسية المحمية إلى جدول F.
أصدر ترامب هذا الأمر لأول مرة في أواخر عام 2020، وقام بايدن بإلغائه فور توليه السلطة في 2021. ومع عودة ترامب للبيت الأبيض، أعاد تفعيله لتفكيك مفاصل الدولة العميقة التي واجهته سابقاً.
لكن عملية إعادة التصنيف هذه واجهت (ولا تزال تواجه) ممانعة شرسة من النقابات و التكنوقراط.
البيروقراطي لا يرى نفسه خائناً، بل حارساً للقانون وأركان الدولة ضد أهواء الرؤساء المؤقتين.
مثلاً في وزارات الخزانة، والتجارة، والمكاتب الاقتصادية، تتحرك البيروقراطية وفق مصالح شركات الاستثمارية الكبرى في وول ستريت.
و في وزارة الخارجية و الدفاع ينفذون الاستراتيجيات التي صاغتها مراكز الفكر الكبرى (مثل مؤسسة راند، معهد بروكينغز، ومجلس العلاقات الخارجية CFR) لحفظ الهيمنة الأمريكية العالمية. عندما يأتي رئيس يريد كسر هذه الثوابت لغايات انتخابية قصيرة المدى، يتدخل التكنوقراط فوراً لإخماد قراراته وتنفيذ الخطة الأصلية الراسخة
مثلاً بعد أمر ترامب الأول في 2018 للانسحاب من سوريا (والتي عطلتها البيروقراطية)، أصدر ترامب في أكتوبر 2019 أمراً رئاسياً جازماً للمرة الثانية بتحريك القوات فوراً خارج الشمال السوري.
قال المبعوث الأمريكي الخاص بسوريا آنذاك جيمس جيفري علناً: “كنا نلعب دائماً لعبة غسيل الأرقام لكي لا نوضح لترامب كم عدد قواتنا هناك”.
عندما أمر ترامب بالانسحاب الكامل، قام التكنوقراط والجنرالات بإعادة توزيع القوات بدلاً من سحبها. نقلوا جندياً من نقطة (أ) إلى نقطة (ب)، وغيروا مسميات الوحدات العسكرية في اللوائح و التقارير المرفوعة للبيت الأبيض، وأقنعوا الرئيس بأن القوات انسحبت، بينما هم في الحقيقة أبقوا على الهيكل العسكري والسياسي كاملاً.
إذن البيروقراطي الفيدرالي يطيع النظام وليس الشخص و ينفذ عقيدة بقاء الإمبراطورية المالية والعسكرية كما صاغها الآباء المؤسسون وكبار الممولين، ويخنقون أي أمر رئاسي يرونه ناتجاً عن شعبوية مؤقتة قد تهز أركان الهيمنة الكونية
يتبع
2026-10-17