تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (4)!
د. عمر ظاهر.
إذا أردنا أن نفضح كل مراوغات داروين وانحرافاته عن منهج البحث العلمي السليم فإن الحديث عنه سيكون “قصة لا تنتهي”، وقد نُدفع دفعا إلى خدش مشاعر المتحمسين له بوصف داروين بـ “المشعوذ”، ذلك لأن كتابه من البداية حتى النهاية مجموعة من المماحكات، والمغالطات، والاختلاقات، والادعاءات عن تجارب قام بها، وحقائق جمعها، دون أن يقدم أي دليل على أنه قام بها. إننا نكتفي في هذه المقالات بذكر غَيض من فيضِ ما ارتكبه في كتابه “أصل الأنواع” من تجن على الحقيقة، ومن مجافاة للمنطق، ومن افتراء على الطبيعة، ومن شهادة زور لفقها دون أن تكون له إمكانية ليرى ما يشهد عليه.( نشير من أجل المزيد من المعلومات الموثقة إلى كتابنا: تشارلز داروين واغتيال الحقيقة في قضية التطور، من إصدارات مطبعة هيستوريا في الدنمارك- عام 2020. تقديم ومراجعة د. جلال درباس. الكتاب يقع في 600 صفحة باللغة العربية).
في البحث العلمي، سواء أكنا نتحدث عن مجال تجريبي، أو ميداني، أو أكاديمي مجرد، هناك قواعد هي ألف باء البحث التي يجب على الباحث الإلمام بها وإتقانها قبل أن يخطو أية خطوة في عمله. هناك أولا وقبل كل شيء المفاهيم والمصطلحات التي ستستخدم في عملية البحث، والتي بواسطتها نصل إلى صياغة المشكلة التي يريد البحث إيجاد حل لها، أو السؤال الذي يريد الإجابة عنه؛ تلك المفاهيم والمصطلحات يجب أن تكون معرّفة ومحددةً بدقة ووضوح تام. وهناك المنهج الذي سيتبعه الباحث في بناء الدليل خطوة فخطوة باتجاه الوصول إلى نتيجة مقنعة عبر الوسائل الخاصة بكل مجال؛ وهناك البيانات المتوفرة عن موضوع البحث، أو ما يمكن أن تكون النظريات السائدة في مجال البحث، أو الأبحاث المنجزة من قبل الآخرين؛ وهذه يجب أن يشار إليها بأسلوب مسؤول. وهناك بطبيعة الحال اللغة التي يجب أن يكون الباحث متمكنا منها كي يصوغ أفكاره بدقة وسلاسة بحيث تكون مفهومة من قبل الآخرين؛ ودور إتقان اللغة ودقة التعبير لا يُهمل في أية مرحلة من مراحل البحث. وهناك البيانات التي سيوفرها الباحث نتيجة التجربة والبحث، وقد يجد من يؤكدها في أبحاث أخرى فيوثقها بالإشارة إلى مصادرها بأمانة قصوى (اسم الكتاب، مثلا، وسنة طبعه، ودار الطباعة، ورقم الصفحة التي يقتبس منها). وهناك، إلى جانب كل هذا، الميثاق الأخلاقي الذي يجب أن يتبعه الباحث، فيتعهد، لنفسه قبل الآخرين، ألا يغش، ولا يكذب، ولا يدلس، ولا يزوّر، وأن يعترف بالخطأ وبالحدود التي تتوقف عندها مقدراته. لذلك فإن الباحث، خاصة في المجالات غير التجريبية، يخضع نفسه قبل البدء بالبحث لعملية تطهير من الأفكار المسبقة المنحازة لأية نتيجة قد يرغب، عن غير وعي، في التوصل إليها. باختصار، إن الباحث يتخلى (ولو مؤقتا) عن أهوائه وأيديولوجيته ومعتقداته، ويترك البيانات والأدلة تتكلم أثناء البحث.
الحق الحق نقول، إن تشارلز داروين، في كتابه المعنون “أصل الأنواع” – إن كان أصلا يمكن إطلاق عبارة بحث على الكتاب، فشل في الامتثال لكل القواعد أعلاه بشكل كارثي يثير العجب عن كيفية تمرير هذا الهذيان من قبل مخضرمين في الوسط الأكاديمي البريطاني في منتصف القرن التاسع عشر. إنه خرق للميثاق الأخلاقي الأكاديمي له تفسير واحد فقط، وهو أن البحث/الكتاب لم يمر في المسار الأكاديمي المعروف، فداروين دبج الكتاب خارج إطار وسط البحث العلمي الجامعي، ولم يُقدمه إلى أية جامعة كرسالة دكتوراه أو ماجستير، ولذلك فليس هناك أي أكاديمي يتحمل المسؤولية الأخلاقية والمهنية التي يتحملها عادة الأستاذ المشرف على الرسالة. ولم تكن هناك لجنة تحكيم محايدة لتقدير القيمة العلمية للرسالة والتزامها بمعايير البحث العلمي. كان هناك بعض من الأكاديميين المتنفذين المتطرفين في موقفهم المعادي للكنيسة، شكلوا لجنة “اتخاذ قرار” وليس لجنة تحكيم محايدة، وقاموا – في انحياز واضح لتشارلز داروين العنصري مقابل السيد ألفريد والاس المتحرر من عقدة الانتماء إلى العرق الأبيض، بتسهيل طبع ملخصات (كما يسميها داروين نفسه) ثم الكتاب الذي يبدو أنه كان هناك من ينتظر صدوره. إن الكتاب ترجم فورا إلى لغات عديدة، وبيع بسرعة فائقة، وتقرر طبعه من جديد.
لقد صدرت من الكتاب ست طبعات خلال ثلاث عشرة سنة في حياة داروين. إننا نرى أن داروين لم ينجح خلال كل تلك الطبعات حتى في إدخال التنظيم إلى مصادره فبقيت ناقصة مهلهلة تفتقر إلى الدقة. ولم يتمكن حتى من إعطاء عمله شكل كتاب متسلسل الفصول أو الأبواب، ومترابط المواضيع، ومتماسك الأفكار، فكل باب في الكتاب يشمل مجموعة من العناوين التي ليس هناك بالضرورة ترابط بين المواضيع التي يتطرق إليها. ثم إن القارئ يشعر أحيانا أنه لا يحتاج إلى قراءة المواضيع، فعناوينها نفسها تلخيص مسبق لها. لا تجد عناوين بهذا الطول إلا عند السيد داروين لأنه لا يعرف ما الغرض من العناوين، فيستغلها بهذه الطريقة. مثلا (في الباب الخامس):
الجزء الذي يظهر في أي نوع بأي درجة أو طريقة استثنائية بالمقارنة
مع الجزء نفسه الموجود في نوع متقارب، يميل إلى أن يكون شديد
القابلية للتمايز
أو:
الأنواع المتباينة تظهر فيها تمايزات متماثلة، إلى درجة أنه كثيرا ما يتخذ أحد الضروب
التابعة لأحد الأنواع، طابعا خاصا بنوع يمت له بصلة قربى، أو يرتد إلى بعض
من الصفات الخاصة بأحد الأسلاف الأبوية المبكرة
وهو، عدا ذلك، يبدو كمن يتبع نظاما معينا فيبدأ الباب بفهرس بعناوين المواضيع التي سيتناولها فيه، لكن فجأة تجد بابا (الباب السابع) يبدأ بالفهرس، وفيه تسعة عناوين للمواضيع، لكن النص فيه (أكثر من خمسين صفحة) ليس فيه أي من العناوين، فلا تعرف أين يبدأ الموضوع الواحد وأين ينتهي، فالباب ليس مقسما إلى فصول، أو مواضيع فرعية حسب العناوين المسطرة في الفهرس، وإنما هو نص واحد متشابك، ومتداخل. ثم إن الكاتب يقفز بين المواضيع على غير هدى. وبعض المواضيع، التي لها عناوين في الفهرس، لا يتم تناولها أبدا.
واضح أن هذا الباب هو آخر ما كتبه داروين في هذا الكتاب، وأضاف به إلى الكتاب في طبعته السادسة، مزيدا من الفوضى. عنوان الباب هو “اعتراضات مختلفة على نظرية الانتقاء الطبيعي”. لكنك لن تجد في عرض الاعتراضات من قال ماذا وأين، فداروين لا يشير إلى مصادر الاعتراضات، ولا يقتبس الاعتراضات حرفيا، بل يصوغها كما يفهمها، فلا تعرف إن كان يرد على الاعتراض كما ورد، أم على الاعتراض كما يفهمه هو. ومع هذا فإن ردوده – حتى على ما يفهم هو من الاعتراضات، ردود غير مقنعة. لنأخذ مثالا. يقول داروين:
وقد اعترض آخرون على أن المصطلح “انتقاء” يلمح إلى الاختيار المتعمد للحيوانات التي تصبح معدلة، وحتى أن الجدال تطرق إلى أنه، بما أن النباتات ليس لديها إرادة، فإن الانتقاء الطبيعي غير قابل للتطبيق عليها! (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 161)
إن مثل هذا الكلام يعكس حالة ذهنية غريبة، فإذا كان الانتقاء يلمح إلى (الاختيار) المتعمد للحيوانات التي تصبح معدلة فإن التعمد يرجع إلى المنتقي، أي إلى من يقوم بالانتقاء الطبيعي. ما علاقة إرادة النباتات بالانتقاء؟ الشطر الأول لم يشر إلى إرادة الحيوانات، بل إلى تعمد (إرادة) المنتقي. كيف لا ينطبق الاختيار على النباتات لأنها ليس لها إرادة؟
إن من لا يعرف داروين سيظن أن المعترض عليه هو الذي يعاني من حالة ذهنية غريبة، بينما المشكلة تكمن في غياب الأمانة لدى داروين في الإشارة إلى مصدر الاعتراض حتى نرى من الذي يعاني من الهلوسة.
هذا الباب لا نجده في الطبعات السابقة التي يبلغ عدد أبواب الكتاب فيها أربعة عشر بابا. لكننا نجده على الشبكة العنكبوتية منشورا مستقلا عن الكتاب، وهو ما يتوقعه المرء إذ إنه يصلح ككراس مستقل، لكنه في الطبعة السادسة جزء من الكتاب ويحمل، كما قلنا، الرقم 7، مما يرفع عدد الأبواب إلى خمسة عشر.
شيء آخر، فداروين كان قد بدأ في الباب السادس بنقاش مفصل لأربع نقاط أكمل منها في نفس الباب مناقشة نقطتين، ثم حشر الباب الجديد، السابع، بينه وبين الباب التالي، فانقطع النقاش، وعاد بعد الانتهاء من الباب الجديد إلى مناقشة النقطتين الثالثة والرابعة في الباب الثامن. يتساءل القارئ/المراقب أين يضع المؤلف بابا جديدا يتعلق بالاعتراضات على الأفكار الواردة في الكتاب؟ طبعا في نهاية الكتاب، إن لم يكن في مقالة مستقلة. لماذا يحشر داروين هذا الباب في وسط الكتاب؟ لا نحتاج إلى البحث عن تبرير منطقي، بل نلقي نظرة على الباب السابق، السادس، وعنوانه “الصعوبات الخاصة بالنظرية”، فتتكون عندنا فكرة أفضل عن قدرة داروين على التمييز بين الفوضى والنظام. إنه يبدأ الباب السادس قائلا:
قبل أن يصل القارئ إلى هذا الجزء من العمل الذي أقوم بتقديمه، فإن مجموعة كبيرة من الصعوبات ستكون قد واجهته. والبعض منها صعوبات في منتهى الجدية إلى درجة أنني إلى هذا اليوم أجد صعوبة في إمعان التفكير فيها بدون الشعور بدرجة ما من الذهول، ولكن طبقا لأفضل تقديراتي، فإن العدد الأكبر منها ظاهري فقط، وأنا أعتقد أن الصعوبات التي هي في الواقع حقيقية، لا تمثل شيئا قاتلا للنظرية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 276)
يقول داروين إن القارئ واجه في الأبواب الخمسة السابقة مجموعة كبيرة من الصعوبات، وبعض منها في منتهى الجدية إلى درجة أنه هو نفسه، أي داروين يجد صعوبة في إمعان التفكير فيها فيشعر بدرجة ما من الذهول. لماذا الذهول؟ ذهول لهول الصعوبات، ولكن لا تقلقوا، يقول داروين، فهو نفسه يرى أن قسما كبيرا من تلك الصعوبات، ورغم كونها حقيقية، ظاهرية ليس إلا! وليست قاتلة للنظرية! ما إذا كانت الصعوبات قاتلة للنظرية، أو لا، حكم ليس داروين مخولا بالنطق به، بل هي لجنة التحكيم التي تنظر في الصعوبات وفي كيفية تعامل داروين معها، وفيما إذا تغلب عليها. وكذلك يفعل القارئ.
ثم ألا يُفهم من هذا أنه يتحدث عن صعوبات واجهتنا في الفصول السابقة؟ لكن عند قراءة ما في هذا الباب – السادس، يكتشف القارئ أن الصعوبات التي يتحدث عنها داروين لا تتعلق بالمواضيع التي تطرق إليها في الأبواب الخمسة السابقة، بل بمواضيع لم يتطرق إليها بعد. لماذا يقول إذن: قبل أن يصل القارئ إلى هذا الجزء من العمل الذي أقوم بتقديمه، فإن مجموعة كبيرة من الصعوبات ستكون قد واجهته؟
المفترض أن تأتي مناقشة هذه الصعوبات بعد عرض المواضيع نفسها عندما تكون النظرية قد اكتملت، والصعوبات التي اعترضت فهم القارئ أو المراقب قد تراكمت، أي سوية مع كراس الباب السابع. أهي مشكلة في الحالة الذهنية لداروين؟ أم هو ضعف الصياغات اللغوية؟ أم أن هناك خللا في الترجمة؟ كما يتبين من النص الأصلي أدنا، فإن الباحث يقول ذلك حرفيا بلغته هو:
Long before the reader has arrived at this part of my work, a crowd of difficulties will have occurred to him. Some of them are so serious that to this day I can hardly reflect on them without being in some degree staggered; but, to the best of my judgment, the greater number are only apparent, and those that are real are not, I think, fatal to the theory – [Paragraph 134].
أليس من حق القارئ أن يتساءل: كيف يريد هذا الذي لا يرى الفوضى في كتاب كتبه بنفسه أن يرينا النظام في الطبيعة؟
التخبط لا يظهر فقط هنا أو في مكان آخر أو في مكانين في الكتاب، بل هو نهج فوضوي ثابت عند داروين، ففي الباب الرابع، مثلا، يتناول فجأة موضوع الانتقاء الجنسي، ويكتب عنه ثلاث صفحات. ويبحث القارئ عن علاقة الموضوع بما قبله، أو بما بعده. لا علاقة بالمرة، فهو موضوع منفصل تناوله داروين مرة واحدة ولم يعد إليه. ما هو دور الانتقاء الجنسي في التطور، وما علاقته بالانتقاء الطبيعي؟ لا توضيح. هذا طبعا دون أن نناقش هنا المستوى الهابط للمحتوى في الصفحات الثلاث. ما هو باختصار؟ الديك المصارع يحظى بإعجاب الدجاجات فيخترنه للتزاوج، فينجب نسلا قويا، بينما الديك غير المصارع تهمله الإناث، الدجاجات، فينقطع نسله!
ولنعطِ مثالا آخر. في حديثه عن تأثير الاستخدام وعدم الاستخدام على بعض أعضاء الكائنات الحية، بحيث أن هذه الأعضاء تقوى أو تنمو أكثر من غيرها، يقول داروين:
.. ومصداقا لهذا فإني قد وجدت في البط الداجن، أن عظام الجناح تزن أقل وعظام الساق تزن أكثر، عند مقارنتها بمجمل وزن الهيكل العظمي، وذلك يظهر بصورة أكبر مما نراه في نفس العظام الموجودة في البط الوحشي. ومن الممكن أن نعزو هذا التغيير، ونحن مطمئنون، إلى أن البط الداجن يطير بصورة أقل بكثير، ويمشي بصورة أكثر من أبويه الوحشيين. والتكوين الكبير والموروث لأثدية الأبقار والماعز في البلد التي اعتادت حلب هذه الحيوانات، عند مقارنتها بهذه الأعضاء نفسها في بلاد أخرى، من الممكن أن تظهر لنا حالة أخرى من حالات تأثير الاستخدام. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 67)
مثل هذا الكلام يضمن حتى لتلميذ في الثانوية العامة درجة رسوب مدوية. وهو دليل واضح على أن داروين يلقي الكلام على عواهنه، ويختلق الأدلة، ويستخف بعقل القارئ. يقول إن البط الوحشي (الذي يطير) يكون وزن عظام جناحيه قياسا إلى وزن هيكله العظمي أكبر مما في البط الداجن لأن الأول يستخدم جناحيه في الطيران، ووزن عظام الساق قياسا إلى وزن هيكله العظمي أكبر في البط الداجن لأنه يستخدمها أكثر في المشي.
هذا ما يحتاج إليه داروين ليثبت أمرا لا علاقة له بالتطور، وأيضا بدون دليل علمي. الإنسان يعرف أن العضلات تقوى بالتمرين، ثم يصيبها التهدل عند ترك التمرين، وأن طول الإنسان تتحكم به الوراثة أو التغذية، وأن الكرش يكبر بتناول أطعمة معينة وبنقص الحركة، أو بتقدم العمر، إلخ. ونعرف أن أعضاء كثيرة، مثل العين والأذن تضعف قدرتها بعد طول الاستخدام. وهذا يشمل حتى الدماغ، فالإنسان قد يصاب بالخرف في آخر العمر، بعد زمن طويل من الاستخدام المتواصل له. وهناك أعضاء عديدة نحتاج إلى دراستها لنرى لماذا تقوى، أو تطول، أو تضعف، ولا يجوز علميا إطلاق أحكام حسب الحاجة. ونعرف بالعين المجردة أن هناك تناسقا في تكوين أعضاء أي كائن حي، فالزرافة التي تتميز بطول الرقبة وبالتالي بثقل الجزء الأمامي من هيكلها لا تنهار بفعل هذا الثقل إلى الأمام، فلا يمكن القول أن رقبة الزرافة وحدها طالت نتيجة الاستخدام، فتركيب جسمها كله متناسق مع طول رقبتها. بل ويخبرنا الاختصاصيون أن الجهاز الدموي للزرافة يتناسق مع الحاجة إلى إيصال الدم إلى دماغها البعيد جدا عن القلب، قياسا إلى الحيوانات الأخرى (انظر عشرات المقالات على الويكي بيديا، مثلا). وهنا، لا نريد أن نسخر من داروين فنسأله إن كان عضو ما في الحمار قد أصبح أطول من غيره لأن الحمار يستخدمه أكثر. ولكن قد يثير اهتمامنا قول داروين أن هناك بلدانا في العالم يربي الناس فيها الأبقار والماعز ولا يحلبونها (ربما يعتقد داروين بذلك لأن أحدهم أخبره أن الهندوس يقدسون البقرة، فظن أن ذلك يعني أنهم لا يحلبونها أيضا). حتى لو افترض ذلك، فإن الأبقار والماعز تُرضع صغارها، وهذا شكل من أشكال الاستخدام، أليس كذلك؟ وكذلك لا نتوقف عند منطق داروين المناقض للواقع، فالبط الوحشي لا يستخدم بالدرجة الأولى العظام في طيرانه، بل العضلات القوية في الأجنحة، ونحن نعرف أن ريش الطيور يكون مجوفا وذلك للتخفيف من وزنها ومساعدتها على الطيران. على أية حال، إن داروين عنده منطقه الخاص.
ما نتوقف عنده مع داروين هنا هو المنهج العلمي. نحن لن نكتفي بأن يقول لنا داروين أنه وجد في البط الداجن كذا، وفي البط الوحشي كذا. نحن نريد أن نرى تجربته مفصلة في جداول تبين لنا ما يلي: كم بطا داجنا وكم بطا وحشيا قام بقياس عظام أجنحتها وعظام سيقانها؛ وكم كانت أعمار الفئتين يوم القياس؛ وكم هو الفارق في كل حالة؛ وبأي ميزان حساس وزن تلك العظام بحيث استطاع أن يسجل الفوارق، وهي بلا شك بالغرامات وليس بالكيلوات؟ وكذلك نسأله عن الأبقار والماعز: أية بلدان في العالم تربي الأبقار والماعز ولا تحلبها؛ كيف يختلف الحلب عن قيام صغار البقرة بمص ضروعها؛ وكم بقرة فحص في كل بلد؛ وكم هو الفارق بين حجم الضرع في بلد يحلب الأبقار وفي آخر لا يحلبها؛ وإذا كان ما يقوله صحيحا، فهل تأكد من أنه ليس هناك أسباب أخرى غير الاستخدام، وعدم الاستخدام يتسبب في الاختلافات؟ طالما لا يخبرنا داروين بذلك فهو بحكم من لم يقم بذلك.
ومثال آخر. في الباب الثاني يناقش داروين موضوع الضروب والأنواع، والطبقات الكبرى والطبقات الصغرى من النباتات، أي الواسعة الانتشار وضيقة الانتشار – حسب ما يقول. ويوضح أن الطبقات الكبرى تتميز بعدد أكبر من الأنواع قياسا إلى الطبقات الصغرى. ثم نراه فجأة، وفي التفاتة نادرة إلى مثل هذا الموضوع، يلقي بضع كلمات في الهواء عن الخلق. يقول:
نتيجة للنظر إلى الأنواع على أساس أنها مجرد ضروب شديدة الوضوح ومحددة بدقة، فقد وجدت نفسي منقادا لأن أتوقع أن الأنواع التابعة للطبقات الكبرى الموجودة في كل قطر سوف تنتج ضروبا في أحوال كثيرة، أكثر من الأنواع التابعة للطبقات الصغرى، وذلك لأن أي مكان يتم فيه تكوين عدد كبير من الأنواع المتقاربة بشكل حميم (أي الأنواع التابعة لنفس الطبقة)، فإنه يتعين أن تتكون فيه الآن، اتباعا للقاعدة العامة، الكثير من الضروب أو الأنواع الابتدائية. وحيثما تنمو أشجار كبيرة، فإننا نتوقع أن نجد شجيرات. وعندما يتم تكوين الكثير من الأنواع التابعة لإحدى الطبقات من خلال التمايز، فإن الظروف قد كانت مواتية للتمايز، وبالمثل فقد نتوقع أن الظروف بشكل عام ما زالت مواتية للتمايز. وعلى الجانب الآخر، فإذا نظرنا إلى كل نوع على أساس أنه فعل خاص من أعمال الخلق، فإنه لا يوجد سبب واضح يفسر لنا لماذا تستجد ضروب أكثر في مجموعة تحتوي على أنواع كثيرة، عنها في مجموعة تحتوي على أنواع أقل. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 128/129)
إن إقحام مسألة الخلق في هذا النقاش أمر غير مفهوم. لماذا انحرف الباحث فجأة عن الخط الذي يسير عليه في شرح الأنواع والضروب، والطبقات الكبرى والطبقات الصغرى إلى استخدامه لدحض فكرة الخلق؟ هل هو يقصد أن هناك لكل ظاهرة تفسيرا ماديا واضحا؟ إنه لم يفعل ذلك في سياقات أخرى، ولا حتى في حالة البط الداجن والبط الوحشي، حتى نقول إنه يجمع الحجج ضد فكرة الخلق. ثم هل التنبه إلى ظاهرة تميز الطبقات الكبرى بعدد أكبر من الأنواع قياسا إلى الطبقات الصغرى اكتشاف عظيم؟ إن أي فلاح يعرف هذه الحقيقة، لأن الانتشار يعني الوجود في بيئات مناخية مختلفة، وبالتالي فرص أكبر للتنوع، أليس كذلك؟ (لا، فقد حصلت طالبة أمريكية مؤخرا على درجة الدكتوراه لإثباتها أن مقولة داروين هذه صحيحة!). إن اعتبار فكرة الخلق نقيضا لفكرة التطور من خلال التمايز يبدو غير ذي صلة. داروين يجادل بالطريقة التالية: وجود كل نوع ليس فعلا خاصا من أعمال الخلق، ولو كان كذلك فلماذا تستجد ضروب أكثر في مجموعة تحتوي على أنواع كثيرة، مما في مجموعة تحتوي على أنواع أقل؟ ونتساءل ما الرابط بين هذه وتلك؟ كيف ينفي هذا فكرة الخلق، ويعزز فكرة التطور؟ داروين لا يكلف نفسه عناء توضيح ذلك.
لا بأس، نفترض أن داروين يقصد أن الطبيعة تفسر نفسها بنفسها. إلا إن ما يأتي مباشرة بعد هذا الحديث يثير الشك حول الحالة الذهنية لداروين، فهو يخبرنا فجأة:
ولاختبار مصداقية هذا التوقع فقد قمت بترتيب النباتات الخاصة باثنتي عشرة دولة، والحشرات المغمدة الأجنحة التابعة لمقاطعتين، إلى جزأين متساويين تقريبا، ووضعت الأنواع التابعة للطبقات الكبرى على أحد الجوانب، والأنواع التابعة للطبقات الأخرى على الجانب الآخر، وقد ثبت بشكل قاطع أن نسبة أكبر من الأنواع التي في جانب الطبقات الكبرى قد أنتجت ضروبا، عما حدث في الجانب المحتوي على الطبقات الصغرى. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 129)
الحديث يجري عن الطبقات الكبرى والصغرى من النباتات وعن الأنواع والضروب التي تنتج عنها. ولم نجد لا قبل الحديث ولا بعده ذكرا للحشرات، فلماذا قام داروين بترتيب النباتات الخاصة باثنتي عشرة دولة، والحشرات المغمدة الأجنحة التابعة لمقاطعتين، في جزأين متساويين تقريبا؟ ما علاقة الحشرات بالطبقات الكبرى والصغرى؟
هل لهذه الحشرات تأثير على تمايز الأشجار، وظهور الشجيرات من الطبقات الكبرى والطبقات الصغرى؟ هل يتعلق الأمر بمقارنة بين نباتات من اثنتي عشرة دولة وحشرات من مقاطعتين؟ لو كان الأمر كذلك فإن إشارة صغيرة إلى هذا التأثير، أو هذه العلاقة، أو المقارنة، كانت ستظهر قبل أو بعد هذا الاقتباس. ربما يكون ذلك خطأ مطبعيا! خطأ، ولم يكتشفه أحد حتى في الطبعة السادسة من الكتاب؟ لا أثر، ولا تفسير غير أن هذا تعبير عن شرود حصل لأن الحالة الذهنية لداروين كانت مواتية لحصوله، تماما كما تظهر التمايزات عندما تكون الظروف مواتية لظهورها.
والمسألة هنا لا تعود إلى خطأ في الترجمة بدليل أن المترجم يعطي في أسفل الصفحة (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 129) المقابل الإنجليزي لاسم الحشرات المذكورة (Coleoptrous insects). وهي تطابق ما هو وارد في (النص الأصلي – الفقرة 45).
لنفترض أن حشر الحشرات مغمدة الأجنحة في الحديث عن الطبقات الكبيرة والطبقات الصغيرة من النباتات أمر لا يفهمه إلا الاختصاصيون في النباتات والحشرات، أو أن المعنى في قلب الشاعر. نعم نفترض ذلك، ونأسف إن أخطأنا الفهم. لكن ما يهمنا، ونحن نقارعه في مجال البحث العلمي، هو أن يوثق لنا داروين ويجسد هذا الترتيب الذي قام به، في جدول صغير يظهر الدول الاثنتي عشرة، وأسماء بعض من الأشجار التي رتبها، وبعض الأرقام التي تشير إلى الفوارق، أو يقول لنا – إن كان فعل ذلك في مكان آخر، مثلا في مقالة أو كتاب: انظر في عملي الفلاني، ص كذا. وطالما أنه لا يفعل ذلك، فإنه بحكم من لم يقم بذلك، ويقيم استنتاجاته على بيانات مختلقة.
هذه بعض من المشاكل البنيوية التي لا تعد ولا تحصى في كتاب داروين. نتركها هنا. وننتقل إلى تناول شيء من المحتوى (في هذه المرحلة كمقبلات). لم يتمكن داروين من تعديل محتوى كتابه، أو على الأقل إعادة النظر في حججه أو حذف الادعاءات السخيفة من الكتاب – إلا ما كان مضحكا إلى حد غير معقول، مثلا هذا الادعاء: كان داروين قد ذكر في الطبعة الأولى من كتابه:
“أن الدب الأسود الأمريكي الشمالي شوهد وهو يسبح، مفتوح الفم، لساعات، ويتصيد بذلك، مثلما يفعل الحوت، الحشرات في الماء. حتى في هذه الحالة الشديدة التطرف، وإذا كانت إمدادات الحشرات ثابتة، وإذا لم يكن هناك بالفعل منافسون أفضل تكيفًا في المنطقة، فأنا لا أستطيع أن أرى أية صعوبة في تصور عرق من الدببة تتحول، عن طريق الانتقاء الطبيعي، إلى المزيد من السلوكيات المائية في تركيبها وعاداتها، فتكون لها أفواه أكبر فأكبر، حتى تم إنتاج مخلوق مخيف مثل الحوت.”
واستقبل النقاد هذا الكلام بسخرية لاذعة. انظر هذا الرابط
https://evolutionnews.org/2018/07/from-bears-to-whales-a-difficult-transition/
وقام داروين بحذف ذلك من الطبعات اللاحقة للكتاب. وفي الطبعة السادسة اكتفى بالقول: “وقد رأى هيرن في أمريكا الشمالية الدب الأسود يسبح لمدة ساعات طويلة بفم مفتوح على مصراعيه، وبهذا الشكل فإنه يصطاد مثلما يفعل الحوت الحشرات الموجودة في الماء.” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 289)
الدب يفتح فمه لصيد الحشرات، والحوت يفتح فمه لصيد الجشرات، إذن أصل الحوت دب. ليس هناك في الكتاب كله دليل على أي شيء يدعيه داروين إلا وهو على هذا المستوى المضحك. وهنا نوجه الانتباه إلى العبارة التالية في الطبعة الأولى: (فأنا لا أستطيع أن أرى أية صعوبة ..). هو لا يرى صعوبة، إذن قضي الأمر فهذه حقيقة! هذا أسلوب رئيسي في حجج داروين يتكرر مرات ومرات في الطبعة السادسة والأخيرة من الكتاب. إنه لا يقيم استنتاجاته على دليل ملموس، بل على أنه هو لا يستطيع أن يرى صعوبة في تصور شيء. ورأينا قبل قليل كيف أنه قال (وأنا أعتقد أن الصعوبات التي هي في الواقع حقيقية، لا تمثل شيئا قاتلا للنظرية). هو يعتقد، أو لا يعتقد! هذا ليس من منهج البحث العلمي بشيء.
كانت ذريعة داروين في تلك الفوضى الكارثية أنه كان مريضا. لكن الواضح هو أن استمرار النواقص الحاسمة في الكتاب عبر ست طبعات، وقد تناولنا غيضا من فيضها، سببه أن داروين لم يكن قادرا على رؤية تلك النواقص، فلم تكن عنده معرفة بكيفية تنظيم بحث علمي. ثم إنه يبدو أن التنقيح والتنظيم لم يكونا مطلوبين فالكتاب كان يباع بسرعة رغم الفوضى التي تكتنف أبوابه الخمسة عشر (كانت في البداية أربعة عشر، ثم أضاف الباب السابع، كما أشرنا، ولم يوفق في وضعه في المكان المناسب في الكتاب). ثم إن داروين كان أصلا بعد همروجة صدور “أصل الأنواع” قد تشجع لكتابة كتاب آخر، هذه المرة عن نشأة الإنسان، فالمرض ذريعة واهية.
يتبع ..
2021-01-09