قمة المجلس الأوروبي في نيقوسيا 2026:
“القوس المتوسطي” في مختبر الاستراتيجيات الكبرى
تستضيف قبرص الأسبوع المقبل قمة أوروبية غير رسمية ستناقش مسائل استراتيجية من صيغ ترسيخ النضج الاستقلالي الجيوسياسي للقارة، إلى سياسات تمويل الاتحاد، بالإضافة إلى محاولة صياغة مواقف موحدة تجاه الاضطرابات الإقليمية المتصاعدة بعد العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران
سعيد محمد
تحت شعار “اتحاد ذو سيادة.. منفتح على العالم”، تستعد العاصمة القبرصية نيقوسيا ومنتجع أيا نابا الساحلي لاستقبال قمة الاتحاد الأوروبي غير الرسمية يومي 23 و24 أبريل 2026، والتي تأمل الجزيرة أن تكون حاسمة في جهودها لإعادة صياغة دورها كـ “رأس جسر” استراتيجي بين القارة القديمة والشرق عبر الشرق الأوسط المضطرب، ومحاولة إنقاذ اقتصادها السياحي الذي ترنح تحت وطأة العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران.
وتشغل قبرص حالياً رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي للنصف الأول من عام 2026، وهي المرة الثانية التي تتولى فيها هذا المنصب منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004.
وبينما تعقد القمم الرسمية للمجلس في بروكسيل، فإن قمة قبرص غير الرسمية تعد المرحلة الحاسمة التحضيرية قبل الاجتماع التشريعي الهام في يونيو/ حزيران المقبل، وفرصة لجس النبض واستكشاف المواقف بدون الالتزام بأية قرارات.
وتأتي القمة في لحظة تحول سياسي كبرى داخل الاتحاد الأوروبي. فبعد هزيمة حزب فيكتور أوربان في هنغاريا وصعود حزب “تيسا” بقيادة بيتر ماغيار الأقرب إلى مزاج بيروقراطية بروكسيل، تلوح في الأفق فرصة لفك الورطة التاريخية مع “الفيتو” الهنغاري الذي عرقل طويلاً توجيه المساعدات إلى أوكرانيا. وتسعى الرئاسة القبرصية خلال هذا الاجتماع إلى حسم التوافق بشأن تخصيص 90 مليار يورو كقرض لنظام كييف، بالإضافة إلى تمرير حزمة أخرى – هي العشرين – من العقوبات ضد روسيا.
ومن المقرر أن يخاطب الرئيس زيلينسكي القادة الأوروبيين خلال عشاء جماعي في 23 أبريل/ نيسان بشأن الضمانات الأمنية طويلة الأمد لنظامه وحزم العقوبات على خصمه الروسي، كما الحاجة لمزيد من أنظمة وذخائر الدفاع الجوي وإصلاح شبكات الطاقة.
على أن الملف الإيراني يفرض نفسه كأولوية أمنية وجودية لقبرص وللقارة عموماً. فالتوترات في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين البحري بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران أثّرت مباشرة على أسعار الوقود وتكاليف الربط الجوي للجزيرة. ومن المتوقع أن تبحث القمة “مبادرة حرية الملاحة” وتنسيق موقف موحد تجاه الأزمة في الخليج على نحو يوازن بين الردع العسكري والحاجة إلى قنوات دبلوماسية تمنع انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع يهدد مصالح الطاقة الأوروبية بمجموعها.
وسيلتقي قادة الاتحاد الأوروبي في ثاني أيام قمتهم، مع شركاء إقليميين رئيسيين (من المرجح الأردن ومصر والإمارات) لمناقشة الأمن البحري في البحر الأحمر والخليج، ومساعي خفض التصعيد في الشرق الأوسط.
وعلى أجندة الرئاسة القبرصية دفع مشروع “الرابط الكهربائي العظيم” (Great Sea Interconnector) إلى قلب النقاشات التقنية على هامش القمّة كركيزة لاستراتيجية “النضج الجيوسياسي” الأوروبي – أي أن يتولى الاتحاد شؤون دفاعه بنفسه ويؤمن خطوط طاقته الخاصة دون الاعتماد على قوى خارجية -.
وتحاول نيقوسيا استغلال الظرف القائم للترويج لهذا الكابل البحري الذي يربط بين إسرائيل وقبرص واليونان بأبعد من أن يكون مجرد مشروع تجاري لنقل الطاقة، وإنما كضرورة أمنية لربط شبكات الكهرباء الأوروبية بمصادر طاقة بعيدة عن تقلبات العلاقة مع روسيا واضطرابات الشرق الأوسط.
هذا التوجه يعمق نفوذ ما يسمى بـ “القوس المتوسطي”؛ وهو تحالف ثلاثي (قبري – يوناني – إسرائيلي) تدعمه واشنطن لمواجهة مشروع “الوطن الأزرق” التوسعي التركي، كما التغلغل الصيني في موانئ المنطقة. وبالرغم من التحديات التقنية والمالية، وضغوط أنقرة التي أوقفت أعمال المسح البحري في فترات سابقة، يريد القادة في نيقوسيا التأكيد على أن أمن الطاقة القبرصي هو جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة الأوروبي الشامل.
وبعيداً عن جدل الجغرافيا السياسية، سيدخل القادة الأوروبيون في نيقوسيا نفق المفاوضات المالية الطويل حول الإطار المالي لتسع سنوات (2028-2034). وستقدم الرئاسة القبرصية مسودة استراتيجية تهدف للموازنة بين مطالب دول شمال القارة التي تريد تركيز الإنفاق على الدفاع والذكاء الاصطناعي، وبين احتياجات دول جنوبها وشرقها التي تتمسك بصناديق التضامن الاجتماعي ودعم الزراعة.
وفي هذا السياق، ستطرح للنقاش قضية “الموارد الذاتية الجديدة” للاتحاد، حيث يتم البحث عن ضرائب أوروبية موحدة (مثل ضريبة الكربون العابرة للحدود) لتسديد ديون خطط التعافي وتكاليف دعم أوكرانيا وربما تأسيس صندوق للدفاع، وهو نقاش سيادي بامتياز سيحدد قدرة الاتحاد على تمويل طموحاته العسكرية والتقنية دون إثقال كاهل الميزانيات العمومية التي ترزح تحت ضغوط التضخم والكساد.
لا تكتمل صورة القمة دون النظر إلى الطموحات القبرصية بعيدة المدى. إذ تسعى نيقوسيا لأن تكون نقطة المفصل، ومركزاً لوجستياً عالمياً لتخزين وتوزيع البضائع والطاقة والبيانات، لممر استراتيجي يربط المتوسط بالمحيط الهندي، فيما يعرف بـ “نطاق الهندو-ميديتيراينيان”. هذا المسار يهدف لخلق بديل لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، من خلال تعزيز الشراكة مع الهند ودول الخليج وتقليل الاعتماد على ممرات بحرية قد تكون عرضة للتهديدات (مثل باب المندب)، واستبدالها بسلسلة من الموانىء والسكك الحديدية التي تنتهي في الموانىء الإسرائيلية، ومنها إلى قبرص كبوابة أوروبيّة، ومن ثم إلى البر الأوروبي عبر اليونان. وتعتبر زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي المتزامنة مع التحركات الدبلوماسية في الجزيرة، إشارة واضحة إلى رغبة نيقوسيا في أن تلعب دور “البوابة الذهبية” الجديدة للتجارة الآسيوية نحو أوروبا.
هذا وبينما يناقش الزعماء السبعة وعشرون ملفات الدفاع والطاقة والاستراتيجيا، تراهن الحكومة القبرصية على أن مشهد المواكب الرسمية والقبضة الأمنية المشددة التي تسمح باستضافة هذا العدد من القادة والمسؤولين سيبعث برسالة أقوى من أي حملة إعلانية سياحية. فمنذ ضربة المسيرة التي استهدفت قاعدة بريطانية في مارس الماضي، تراجعت الحجوزات السياحية بشكل حاد نتيجة مخاوف المسافرين من القرب الجغرافي للجزيرة من مسرح العمليات العسكرية.
ويعتبر وزير السياحة القبرصي، كوستاس كوميس، أن تنظيم حدث بهذا الحجم “تصويت بالثقة” في أمن البلاد التي تعتمد على السياحة في 15% من ناتجها المحلي الإجمالي. وبحسب المراقبين، فإن امتلاء فنادق أيا نابا بالوفود الرسمية والصحفيين سيكون بمثابة الجرعة المنشطة التي يحتاجها الموسم السياحي الحالي للتعافي من صدمة إلغاء الرحلات في الربيع الماضي.
على المستوى الرمزي، يحمل انعقاد القمة في نيقوسيا، “آخر عاصمة مقسمة في العالم”، دلالة عميقة لناحية تأييد الاتحاد الأوروبي لوحدة قبرص واستعادة حكومة الجزيرة الشرعية سيادتها الكاملة في مواجهة سعي النظام التركي إلى فرض واقع “الدولتين” في الجزيرة عبر دعمه دولة شمال قبرص التي نشأت نتيجة غزو عسكري تركي قبل أكثر من خمسين عاماً – جاء رداً على انقلاب كان يهدف إلى الاتحاد مع اليونان -، ولا يعترف بها أحد تقريباً.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-04-19