بعد عودة قطر للانسجام مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية: هل سيدخل تيار الإسلام
السياسي عربيا وأوروبيا في أزمة حرجة؟
بقلم أعلية العلاني *
تحمل عودة قطر إلى الانسجام الخليجي دلالات عديدة من أبرزها اثنتان: دلالة أمنية ودلالة سياسية. ويتساءل بعض الباحثين هل ستُرْبك هذه العودة تيار الإسلام السياسي عربيا وأوروبيا؟
1) الدلالات الأمنية والاقتصادية
إنّ بصمات الولايات المتحدة الأمريكية في إنجاح المصالحة القطرية السعودية كانت واضحة، وحضورُ كوشنير صهر ومستشار الرئيس ترامب أشغال القمة 41 لمجلس التعاون الخليجي في محافظة العُلا السعودية دليل على ذلك. وبخصوص الدلالات الأمنية نلاحظ مثلا أن أمريكا لها أولويات جديدة في مطلع 2021 فلم تعد مكافحة داعش هي الشعار الرئيسي وإنما التصدي لنفوذ إيران في المنطقة. وتحولت حروب أمريكا المباشرة إلى حروب بالوكالة في سوريا وليبيا. وبالتالي يصبح تماسك البيت الخليجي مطلبا مُلحّا أمريكيا وخليجيا، وفي هذا الإطار تندرج المصالحة القطرية السعودية. لكن كم ستستغرق المواجهة مع إيران من وقت؟ وهل سيوافق الكنغرس الجديد في عهد بايدن على إطالة أمدها خاصة بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكنغرس أم أنها عملية ليّ للذراع لجلب إيران لطاولة المفاوضات بالشروط الأمريكية؟ وهل ستقدر الولايات المتحدة على فتح جبهات جديدة (الأزمة مع الصين وروسيا وإيران) وهي تخوض مشاكل كبرى داخلية سواء ما يتعلق بكوفيد19 أو بالانفلاتات الأمنية في بعض الولايات وفي حفل التنصيب في الكابيتول.
الدلالة الأمنية الثانية أن أوروبا لها مصلحة مباشرة أيضا في المصالحة القطرية السعودية لأن ذلك، ربما يسمح بالضغط أكثر على الرئيس التركي أردوغان وكبح تحركاته في ليبيا وشرق المتوسط وفي الشمال السوري، فعودة قطر مثلا ستُوحّد الموقف الخليجي القادم في اتجاه دعم سوريا بعد أن كانت قطر حليفا قويا لتركيا.
أما الدلالات الاقتصادية فتتعلق بالاستعداد لمرحلة الإعمار الإقتصادي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وهذا يتطلب هدنة أمنية طويلة نسبيا. ونجاحُ المصالحة الخليجية مع قطر سيُوحّد الموقف الخليجي بخصوص الإعمار، وربما يسمح بشراكات اقتصادية كبرى تجمع بين شركات خليجية وأخرى أوروبية وأمريكية وصينية وروسية. أما نصيب الشركات العربية فربما يعود السهم الأكبر لمصر، والقليل القليل لبلدان شمال إفريقيا. لكن ماذا عن تأثير المصالحة القطرية السعودية على مستقبل تيارات الإسلام السياسي عربيا وأوروبيا؟
2) تداعيات عودة قطر على تيار الإسلام السياسي عربيا وأوروبيا
من المتوقع أن تخفت موجة تيار الإسلام السياسي في العالم العربي والأوروبي مدة من الزمن. فقطر التي ساهمت، حسب بعض التقارير، في العديد من أنشطة هذا التيار في أوروبا لمدة عقود ستتوقف أو ستُقلص كثيرا من دعمها المادي له، وهو دعم سخي. فقد تحدثتْ قناة آرتي الألمانية الفرنسية عن تقرير أعدّه الفرنسيان شينو ومالبرنو “عن تمويل جمعية قطر الخيرية لـ 140 مشروعا في شتى أرجاء أوروبا ترتبط 90 بالمائة منها بطريقة أو بأخرى بجماعة الإخوان المسلمين، وانتشرت مشروعاتها من النرويج إلى ساحل فرنسا بتكلفة طائلة قدرها 120 مليون يورو، وشملت 47 مشروعا إسلاميا في إيطاليا و11 في إسبانيا، و22 في فرنسا و10 في ألمانيا” (انظر مقال بصحيفة العرب، 26 سبتمبر 2019). ومن المتوقع أن تتوقف هذه التمويلات أو تتقلص بشكل كبير لجماعات الإسلام السياسي في أوروبا وفي العالم العربي. والملاحظ أن أوروبا شنّت في الفترة الأخيرة حملة على ما تسميه بالانفصالية الإسلامية. وهو ما سيُجْبر تيار الإسلام السياسي في أوروبا مستقبلا على الامتثال بشكل أكبر للتشريعات الأوروبية وخاصة الإجراءات الجديدة المتعلقة بالتمويل.
أما في العالم العربي فمن المتوقع أن تتقلص نتائج الانتخابات البرلمانية القادمة لدى الأحزاب الاسلاموية الحاكمة في تونس وبشكل أقل في المغرب. فحزب النهضة الإسلامي في تونس لا يُخْفي صلاته الوثيقة بقطر. أما في المغرب فسيعود تقلص الخزّان الانتخابي إلى تهرئة الحُكْم وغياب برامج مقنعة.
وأخيرا نقول إن إمكانية غياب الدعم المادي القطري مستقبلا لتيارات الاسلام السياسي في أوروبا والعالم العربي سيُظهر أن هذا التيار غير قادر على أن يكون بديلا سياسيا مُقْنعا، وليس أمامه سوى القيام بإصلاحات عميقة كبرى من بينها، أولا،القطع مع كل توظيف للدين في السياسة والقبول بقيام قانون جديد للأحزاب يمنع قيامها على أساس عرقي أو ديني أو لغوي. وثانيا، الانخراط في مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الحداثية الذي مازال محتشما ورفْض أي تمويل خارجي لأنشطتها، لكن هذا سيأخذ منها وقتا طويلا لأن ترسُّبات الفكر الإخواني ليس من السهل إزالتها بين عشية وضحاها، لكنّ طريق الألف ميل يبدأ بميل واحد. وأخيرا، نَذْكُر أن هناك فرضية ثالثة ستتزامن مع توقف الدعم القطري لتيار الاسلام السياسي تُشكّل مصدر قلق، وهي إمكانية التحاق بعض العناصر من التيار الإخواني خاصة في المشرق بالنشاط الراديكالي العنيف لأسباب يطول شرحها.
أكاديمي ومحلل سياسي
2021-01-09