تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (30)!
د. عمر ظاهر.
داروين تعلم من الحمار أكثر مما تعلم الناس العقلاء منه ومن نظريته.
تعرض لموضوع العقم في الطبيعة، فكشف أن نظرية الانتقاء الطبيعي نفسها عقيمة.
مقارنة الأنغال والأخلاس بشكل مستقل عن الخصوبة الخاصة بهما
يستمر داروين في الاهتمام باستكشاف الحالات الشائعة للعقم في عالم النباتات، خاصة الصغيرة منها، وكأن العالم الحيواني ثانوي الأهمية في هذا الجانب من الحياة الطبيعية. إنه يفتتح الموضوع أعلاه قائلا:
بشكل مستقل عن التساؤل الخاص بالخصوبة، فإن الذرية الخاصة بالأنواع والخاصة بالضروب عندما يتم تهجينها، من الممكن أن تتم مقارنتها من نواح عديدة أخرى. وقد استطاع “جارتنر”، الذي كان أقصى ما يتمناه هو رسم خط فاصل بين الأنواع والضروب، أن يجد القليل جدا من هذه النواحي، وكما يبدو لي، فإنه قد وجد اختلافات غير مهمة إطلاقا موجودة بين ما يسمى بالذرية المنغلقة الخاصة بالأنواع، وما يسمى بالذرية الخلاسية الخاصة بالضروب. وعلى الجانب الآخر فإنهما يتفقان مع بعضهما بشكل حميم جدا في العديد من النواحي المهمة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 484)
داروين لا يقوم بمراقبة النباتات فقط، بل يقوم بمراقبة ما يقوم به جارتنر. وأثناء هذه المراقبات وضعَ الرجل مسألة العلاقة بين العقم والانتقاء الطبيعي جانبا. لكن القارئ سيستمر في تساؤله: لماذا تناقش هذه الأمور في إطار نظرية التطور، وكان من الممكن إصدار هذا الباب بصفحاته الخمسين على شكل كتيب مدرسي مستقل عن هذا الكتاب الذي يتمحور حول أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي؟ والقارئ محق إذا أحس، بعد هذا الاقتباس والصفحات التي تليه، أن ما يفعله داروين هو شكل من أشكال التدليس. إنه كان يراقب ما يقوم به جارتنر من أبحاث، ثم يفسر نتائج تلك الأبحاث على هواه. ويطلق على أساسها الأحكام عن قوانين العقم. نحن لا نعرف ماذا كانت غاية جارتنر من أبحاثه، لكن داروين نفسه يقول إن أقصى ما كان جارتنر يتمناه هو رسم خط فاصل بين الأنواع والضروب. وفق أي منهج علمي يستخدم داروين، إذن، نتائج أبحاث جارتنر، وغيره من العلماء، لغايته هو؟ وما هي غايته؟ إذا كانت الغاية هي تقديم وصف لأنواع العقم، فإن جارتنر نفسه أولى بعرض تلك الأنواع والحالات. لكن القارئ ينتظر من داروين شيئا غير وصف حالات العقم بين النباتات؛ إنه ينتظر منه أن يبين علاقة الانتقاء الطبيعي بالعقم في الطبيعة كلها، وليس فقط بين النباتات التي يدرسها جارتنر. وداروين يفعل الشيء نفسه مع أبحاث عالمين آخرين، هما ماكس ويتشورا Max Wichura، ونودين Naudin (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 486)، ويجيّر أبحاثهما لمقاصده هو. إنه يتولى، نيابة عنهم جميعا، تقديم نتائج أبحاثهم، فيكبر اسمه هو لأنه يشير إلى أسماء كبيرة، وعديدة.
ويراود القارئَ نفس الشعور عندما ينتهي داروين من مناقشة الأنغال والأخلاس في عالم النباتات، دون أن يذكر نبتة واحدة غير قوله: وبهذا الشكل فإن ماكس ويتشورا Max Wichura يساوره الشك فيما إذا كانت الأنغال قد ترتد على الإطلاق إلى أشكالها الأبوية، وهو الذي قام بتجارب على أنواع مستزرعة من أشجار الصفصاف. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 486)
ثم، وفي أغرب تجاوز على أبحاث الآخرين، وفي استغفال مفضوح للقارئ، يقوم داروين بتعميم نتائج أبحاث هؤلاء العلماء في مجال النباتات على عالم الحيوان. يقول:
ويبدو أن هذه الملاحظات العديدة تنطبق أيضا على الحيوانات، ولكن الموضوع يكون هنا أكثر تعقيدا، وذلك جزئيا نتيجة لوجود الصفات الجنسية الثانوية، ولكنه بالأخص نتيجة القدرة الاستثنائية الموجودة لنقل المشابهة التي تجري بشكل أقوى في أحد العناصر الجنسية منها في العنصر الجنسي الآخر، في كل من حالات التهجين لأحد الأنواع من نوع آخر، وعندما يتم تهجين أحد الضروب مع ضرب آخر. وعلى سبيل المثال، فأنا أظن أن هؤلاء الخبراء على حق عندما يصرون على أن الحمار لديه قدرة استثنائية أكبر مما لدى الحصان وبهذا الشكل فإن البغل والشياسي يماثلان بشكل حميم الحمار أكثر من مماثلتهما للحصان، ولكن هذه القدرة الاستثنائية تجري بشكل أقوى في ذكر الحمار عما هي عليه في أنثاه، وبهذا الشكل فإن البغل، الذي هو الذرية الناتجة عن ذكر حمار ومهرة، هو أكثر مشابهة للحمار عن النغل الشياسي، الذي هو ذرية ناتجة عن حمارة أنثى وحصان ذكر. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 486/487)
في حاشية النص الأصلي، ص 487، يعرّف داروين الشياسيَ بأنه نغل صغير الحجم ناتج عن تزاوج حصان ذكر وأتان.
إن من حق القارئ عند هذه النقطة بالذات أن يسخر من داروين، وينعته بالدجال الجاهل. تُرى لماذا لم يصرف هذا الجاهل بعضا من السنوات الاثنتين والعشرين بين عودته من رحلة السفينة بيجل عام 1837، وبين نشر الكتاب عام 1859، على إجراء بعض التجارب على الحيوانات وعقمها وخصوبتها، وأنغالها وأخلاسها (ولو على الديك والدجاج)، مثلما فعل مع مراقبة النمل الأحمر والأصفر (راجع الباب السابق رقم 8)؟ هذا الذي صرف أربع سنوات يراقب النباتات الصغيرة، ألم يجد ولو أربعة أشهر لمراقبة تزاوج بعض أنواع الحيوانات، مثلا السريعة التكاثر، كالفئران، فيتكلم انطلاقا من مراقبته، بدلا من أن يعمم نتائج أبحاث خبراء في النبات على عالم الحيوان؟ إننا نرى النتيجة الكارثية لمثل هذا السلوك في أن داروين ليس لديه مثال من عالم الحيوان غير حالة الحمار والفرس. وانظر إلى الفقرة المقتبسة، فقد بدأها بعبارة “ويبدو أن هذه الملاحظات” أي إنه يستنتج ما يقوله بعد بعض التأمل في أبحاث الخبراء في عالم النبات. العالِم يقول: “هذه هي الحقيقة التي توصلتُ إليها بنفسي”، بينما الدجال داروين يقول “يبدو أن هذه هي الحقيقة في عالم الحيوان بناء على أبحاث فلان وفلان في عالم النباتات الصغيرة”. وبعد ذلك يتنصل من قول أية نتيجة ثابتة، وحجته هي أن الموضوع أكبر تعقيدا. ويختتم داروين ما يبدو له، وما يظن، ويتخيل، قائلا “فأنا أظن أن هؤلاء الخبراء على حق عندما يصرون على أن الحمار لديه قدرة استثنائية أكبر مما لدى الحصان”، ولم نسمع فيما أورده عنهم أن هؤلاء الخبراء قالوا أي شيء عن الحمار والحصان؛ إنهم علماء وباحثون في مجال النباتات. على أية حال، ينبغي لداروين أن يكون ممتنا للحمار، فقد علمه شيئا عن العقم، وجعله يصبح خبيرا فيه. وقد تعرض على أساس هذه الخبرة إلى موضوع العقم في الطبيعة كلها، فكشف أن نظريته في الانتقاء الطبيعي عقيمة كأنها وُلدت من تهاجن حمار مع فرس، أو حصان مع أتان.
واضح تماما أن ما قاله داروين تحت هذا العنوان لم يضف شيئا إلى موضوع العقم. إنه أقحم في النقاش موضوعا عرضيا، أخذ جل معلوماته فيه من باحثين آخرين، وفي مقدمتهم جارتنر. إنه ليس أكثر من استعراض لمعلومات جارتنر المفيدة بشكل عام، لكنها معلومات لا تفضي إلى جديد في موضوع العقم وعلاقته بالانتقاء الطبيعي. إننا نعرف أن داروين كان مهتما بعالم النباتات الصغيرة، لكنه لم يقض حياته في دراسة جانب واحد من الحياة النباتية والبحث فيه، كما فعل جارتنر و كولرويتر، بل اختار أن يتخيل السباحة في محيطات من المعرفة عن كل الكائنات الحية على الأرض من زمنه رجوعا إلى الوراء لمئات الملايين من السنين. ولذلك نرى أنه كلما شعر أن الخيال يدفعه نحو الغرق، يصحو ويعود إلى واقعه، ويطلب الطمأنينة في أحضان معرفته في المجال الذي يعرف فيه شيئا، مجال النباتات الصغيرة، وفي مقدمتها نباتات الكرنب التي كان يعتني بها في حديقة منزله.
تخبط داروين في باب كامل من حوالي خمسين صفحة، فخاض في جدالات مختلفة حول الغرض من العقم، وحول أنواع العقم في النباتات الصغيرة، وحول حالة العقم الوحيدة التي يعرفها بين الحيوانات، الحمار/الفرس والحصان/الأتان، ولم يجب عن السؤال الجوهري حول علاقة العقم بالانتقاء الطبيعي: هل ظهر العقم نتيجة قيام الانتقاء الطبيعي بالمحافظة على تمايزات طفيفة، وعديدة، وبطيئة، كما كانت الحال مع الغرائز، ومع التطور العضوي للكائنات الحية؟ وتجاهل تماما علاقة العقم بالصراع على الغذاء من أجل البقاء.
لا غرابة أن عدد المرات التي أتى فيها داروين على ذكر الانتقاء الطبيعي تناقص في هذا الباب إلى حد قياسي. وهذا مرده إلى أن الرجل يعاني من صعوبة فائقة في تحديد دور للانتقاء الطبيعي في حصول ظاهرة العقم، فهو إما لا علاقة له بهذه الظاهرة التي تخص صميم وجود الكائنات الحية، أو أن له دورا تخريبيا. كان دور الانتقاء الطبيعي في البداية محكوما بمبدأ مالثوس في الصراع على البقاء الذي يترتب على حصول فجوة بين الزيادة الهندسية في عدد السكان مقابل الزيادة بنسبة حسابية للموارد الغذائية، وتكون نتيجته بقاء الأصلح أو الأقوى. كان الدور يتلخص في الحفاظ على التمايزات المفيدة التي تظهر على الكائن الحي الفرد، نتيجة للصراع من أجل البقاء، وتكديسها على طريق تحقيق تعديلات في كيان الكائن الحي تساعده في خوض الصراع. ثم وجدنا أن الانتقاء الطبيعي يتحالف بوحشية مع قانون الإبادة من أجل إزالة الكائنات الحية الصالحة للبقاء التي قام بنفسه بتهيئتها للبقاء. وهنا لو أثبت داروين أن الانتقاء الطبيعي له دور في حصول العقم، فإن ذلك سيناقض دوره الأساسي بشكل لا شك فيه، فهو من جهة يكون قد أوجد العقم بين الأنواع بعد فترة من إمكانية التهاجن الحر بينها، الأمر الذي يهدم أصلا دور الانتقاء الطبيعي في ظهور الأنواع الجديدة. وهو بخلقه العقم بين أفراد النوع الواحد يمنع، من جهة أخرى، أفرادا ضمن النوع الواحد من الاستمرار في التناسل والبقاء على قيد الحياة، أي إنه يتسبب في تمايزات مضرة بشكل أساسي، فهي تحتم عليها الانقراض حتى دون خوض دون صراع. إذا كان للانتقاء الطبيعي دور في موضوع العقم، فهو يناقض القاعدة التي وضعها داروين لعمل هذا الانتقاء بأنه يعمل دائما لمنفعة الفرد، والنوع. التناقض يتمحور على الأسئلة التالية: هل العقم تمايز مفيد ظهر على بعض الكائنات الحية، فتدخل الانتقاء الطبيعي في الحفاظ عليه، وتكديسه، وتوريثه، سواء أكان ذلك بين الأنواع، أو ضمن النوع الواحد؟ هل بدأ العقم، كما بدأت الغرائز، كعادة فردية قفز عليها الانتقاء الطبيعي فطورها إلى قانون ساري في الطبيعة؟ ما هي غاية الانتقاء الطبيعي من حصول العقم؟ هل العقم يساعد على الصراع من أجل البقاء؟ كيف يتناسب العقم مع مبدأ مالثوس الذي يقول إن كل كائن حي لديه نزعة إلى التكاثر بنسبة هندسية؟
واضح من الهذيان الذي لمسناه في كتاب داروين منذ البداية أن رأسه كان مشوشا فيظهر حديثه خبط عشواء. لهذا قال تارة “أنه بدا له أن الانتقاء الطبيعي له دور في نشوء العقم”، وتارة “هذا لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي”، وتارة أخرى “أن هذا الموضوع معقد بشكل غير طبيعي”. ثم بعد تقليب الفكر المدروس بدا له “أن ذلك لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي”. ثم قال “إنه إذا كان لنظرية الانتقاء الطبيعي أن يكون لها تأثير، فإنه من المحتم أن يكون هذا قد حدث مع الحشرات المحايدة جنسيا العقيمة”. ثم قال إنه في حالة النباتات هناك دليل مقنع على أن العقم الخاص بالأنواع المهجنة “يجب أن يكون نتيجة لمبدأ ما، مستقل تماما عن الانتقاء الطبيعي”.
لقد أسقط داروين مبدأ الانتقاء الطبيعي بنفسه، فعلى مدى سبعة أبواب من كتابه أعطاه كل صفات الإله ومقدراته. ثم حوله فجأة في الباب الثامن عن الغرائز إلى مسخرة وأضحوكة. وأخيرا عطّله نهائيا عن العمل في الباب التاسع حول العقم، ونفاه من النظرية التي قامت على أكتافه.
لو أن داروين كان عالما بحق، وكان يود أن يحترمه الناس، لكان أنهى كتابه عند الباب التاسع، واعترف بأنه أخطأ في تخيلاته. أما وقد استمر في الافتراء على الطبيعة، والمراوغة في حديثه، والسعي إلى إحقاق ما ثبت بطلانه، فإن من حق القارئ أن ينعته بما يستحق. إنه مؤسس مدرسة الدجل العلمي.
يتبع ..
2021-03-23