الشهيد الشاعر فالح الطائي!
وليد الحيالي
سيرة الشعر والنضال والشهادة
كان فالح الطائي واحداً من شعراء الشعر الشعبي العراقي الذين اقترنت تجربتهم الشعرية بحياة العمال والنشاط السياسي والثقافي في مدينة البصرة. لم يكن الشعر بالنسبة إليه منفصلاً عن حياته اليومية؛ فقد كان عاملاً في معمل الورق، وشاعراً شعبياً، وناشطاً سياسياً، ومشاركاً في النشاط المسرحي العمالي، قبل أن تنتهي حياته بالإعدام في عهد نظام حزب البعث سنة 1983. (Tareeq Ashaab)
اسمه وولادته ونشأته
تذكر مادة استذكارية نشرتها صحيفة طريق الشعب عام 2024 أن اسمه هو فليح بن زاير حسن ماضي الطائي، وأنه وُلد في محافظة البصرة سنة 1943، بينما تذكر مادة أقدم اسمه بصيغة فالح حسن ماضي الطائي. وقد اشتهر أدبياً وسياسياً باسم فالح الطائي. (Tareeq Ashaab)
نشأ في محلة الجمهورية في البصرة، وهي البيئة الشعبية العمالية التي تركت أثراً واضحاً في شعره. وتذكر المصادر أنه أكمل الدراسة المتوسطة، لكن ظروف الحياة لم تساعده على مواصلة الدراسة، فاتجه إلى العمل وأصبح عاملاً في معمل الورق في كرمة علي بالبصرة. (Tareeq Ashaab)
هذه الخلفية العمالية ليست مجرد تفصيل في حياته؛ فهي تكاد تكون المفتاح الأهم لفهم شعره. فقصائده المتاحة تتكرر فيها صور العامل، والمعمل، والعمل، والفقر، والأمل، والأول من أيار، والنضال الاجتماعي. ويصفه ريسان الخزعلي بأنه كان عاملاً واعياً في معمل ورق البصرة، وكان يلقي أشعاره بين العمال وفي المهرجانات. (Iraqi CP)
نشاطه السياسي
تذكر المصادر الشيوعية العراقية أن فالح الطائي انتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي عام 1960، أي وهو في سن مبكرة، وأنه تعرض بعد ذلك للاعتقال والملاحقة والمضايقات بسبب نشاطه السياسي. (Tareeq Ashaab)
ولذلك يصعب الفصل في تجربته بين «الشاعر» و«العامل» و«المناضل». فقد كانت القصيدة لديه جزءاً من النشاط الاجتماعي والسياسي، وكان حاضراً في التجمعات العمالية والنقابية والمهرجانات الشعرية في البصرة ومدن عراقية أخرى خلال سبعينيات القرن العشرين. (Tareeq Ashaab)
فالح الطائي والشعر الشعبي
تميز شعر فالح الطائي باللغة الشعبية العراقية القريبة من حياة الناس وبوضوح الموقف الاجتماعي. ويصف ريسان الخزعلي شعره بأنه يقوم على العفوية والصدق والوضوح، وأن وعيه العمالي كان عنصراً أساسياً فيه. (Iraqi CP)
وكانت الطبقة العاملة الموضوع الأكثر حضوراً في ما بقي متداولاً من شعره. لكنه كتب كذلك في الحب والوطن والشهداء والحرية والأمل، ولهذا جاء عنوان مجموعته الشعرية الأولى جامعاً بين هذه العوالم.
«سِچّة وحبيب وضَوَه»
صدرت مجموعته الشعرية «سِچّة وحبيب وضَوَه» في أوائل سبعينيات القرن العشرين عن مطبعة دار الساعة في النجف، وكتب مقدمتها صديقه الشاعر والناشط الثقافي عبد البطاط. وتذكر المصادر أنه أهداها إلى القلوب المتعطشة للحب والحرية والسلام. (Tareeq Ashaab)
ويكشف العنوان نفسه الكثير عن عالم فالح الطائي الشعري: السِچّة بما توحي به من طريق أو درب شعبي، والحبيب بما يحمله من بعد إنساني وعاطفي، والضَوَه بوصفه رمزاً للأمل والخلاص والخروج من العتمة.
«أسرار الليالي البيض»
كانت لفالح الطائي مجموعة شعرية أخرى بعنوان «أسرار الليالي البيض»، لكنها لم تصدر في حياته. وتذكر رواية منشورة في طريق الشعب أن وزارة الثقافة والإعلام لم توافق على طباعتها، بينما تصف مصادر أقدم الأمر بصورة أعم بأنه نتيجة الإرهاب والمضايقات السياسية التي كان يتعرض لها. (Tareeq Ashaab)
وتذكر المادة المنشورة عام 2024 أيضاً أن عدداً من قصائده تُرجم إلى اللغة الألمانية، إلا أن المصادر المتاحة على الإنترنت لا تقدم بيانات ببليوغرافية كافية عن هذه الترجمات. (Tareeq Ashaab)
«قصايد للوطن والناس»
شارك فالح الطائي كذلك في المجموعة الشعرية الجماعية «قصايد للوطن والناس» التي صدرت سنة 1974 في مناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي. ويضعه تاريخ هذه المجموعة ضمن جيل واسع من شعراء العامية العراقية الذين ارتبط شعرهم في تلك المرحلة بالحركة السياسية والاجتماعية. (Iraqi CP)
كما نشر بعض قصائده في صحيفتي طريق الشعب والراصد، وكانت له أغانٍ عمالية ترددها المجاميع والجوقات الإنشادية في البصرة. (Iraqi CP)
من قصائده المعروفة
1. «حمامات الصبح»
من أبرز قصائده العمالية المتداولة «حمامات الصبح»، وهي قصيدة تحتفي بالأول من أيار وتربط العيد العالمي للعمال بالنور والأمل والانتصار.
ومن مطلعها القصير:
«أيار.. يا أوّل ضوه ايطش ابدرب عمّالي»
ثم تتحول صورة أيار في القصيدة إلى رمز يتجاوز العراق، فتظهر إشارات إلى شيكاغو وباريس والسودان وغيرها، بما يعكس البعد الأممي في ثقافته السياسية والشعرية. (Iraqi CP)
2. «هذول احنه»
ألقى قصيدة «هذول احنه» في المهرجان العمالي الأول في البصرة في 3 آب 1971، ونُشرت في مجموعته الشعرية. ومن الصور التي ترد فيها:
«اجة أيار… يعزف للأمل فرحه»
وفيها يتحول شهر أيار مرة أخرى إلى صورة للانتصار والفرح العمالي. (Tareeq Ashaab)
3. «ملاحظات حول الطبقة العاملة»
ألقى هذه القصيدة في المهرجان العمالي الثاني في البصرة عام 1972. وتظهر فيها إحالات إلى تجارب عمالية خارج العراق، ومن بينها الإشارة إلى النقابي السوداني الشفيع أحمد الشيخ، في تأكيد آخر على الطبيعة الأممية لخطابه الشعري. (Tareeq Ashaab)
4. «مرني بشمع زفتك»
كتب فالح الطائي قصيدة رثائية ارتبطت بذكرى الشيوعيين ستار خضير ومحمد أحمد الخضري. وعُرفت مغناةً باسم «مرني»، ولحنها طارق الشبلي وقدمتها فرقة الطريق في السبعينيات؛ وتحدد مصادر مرتبطة بالأغنية سنة 1974 لتلحينها. (YouTube)
وقد بقيت هذه الأغنية جزءاً من الذاكرة الفنية والسياسية لجمهور الحزب الشيوعي العراقي، إذ امتزج فيها الرثاء الشخصي بذكر الشهداء والهوية السياسية. (Tareeq Ashaab Archives)
نشاطه المسرحي
لم يقتصر نشاط فالح الطائي على الشعر. فقد كان ناشطاً في المسرح العمالي، وتذكر المصادر أنه ساهم في تشكيل فرقة مسرحية داخل معمل الورق في البصرة، وقدمت الفرقة أعمالاً من بينها «رأس المملوك جابر/رأس الملك جابر» بحسب الصيغة التي توردها المادة، وعملاً بعنوان «ورود وأشواك». (Tareeq Ashaab)
ويصفه أحد كتّاب الاستذكار أيضاً بأنه كان شاعراً وممثلاً مسرحياً، بما يؤكد أن حضوره الثقافي في البصرة تجاوز كتابة الشعر وحدها. (Iraqi CP)
المطاردة والاعتقال
مع اشتداد الصراع بين السلطة البعثية والحزب الشيوعي العراقي في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، دخل فالح الطائي مرحلة الملاحقة والاختفاء. وتذكر الرواية الأكثر تفصيلاً أنه كان متخفياً، لكنه اضطر إلى الظهور من أجل حضور مجلس عزاء أخيه، فتمكنت أجهزة الأمن من اعتقاله. (Tareeq Ashaab)
وتحدد المصادر تاريخ اعتقاله الأخير بـ 15 آب/أغسطس 1981. وبعد اعتقاله انقطعت أخباره عن أسرته ورفاقه فترة طويلة. (Tareeq Ashaab)
تقول المصادر التذكارية الحزبية إنه تعرض أثناء الاعتقال لتعذيب شديد، وتربط ذلك بمحاولات انتزاع معلومات عن تنظيمه ورفاقه منه. وهذه التفاصيل تأتي أساساً من روايات الحزب ورفاقه، ولم أعثر في المصادر المفتوحة التي راجعتها على ملف قضائي أو وثيقة رسمية مستقلة تفصّل فترة التحقيق معه. (Iraqi C P Archives)
إعدامه
تتفق المصادر التي عثرت عليها على أن فالح الطائي أُعدم شنقاً في 3 تموز/يوليو 1983. وكان في نحو الأربعين من عمره إذا صح تاريخ ولادته سنة 1943. (Tareeq Ashaab)
وتذكر المصادر أن عائلته لم تتسلم جثمانه، وإنما أبلغتها مديرية أمن البصرة بوفاته/إعدامه، كما طُلب منها عدم إقامة مجلس عزاء له. (Tareeq Ashaab)
ومن اللافت أن تاريخ إعدامه، 3 تموز 1983، تزامن مع الذكرى العشرين لحركة حسن سريع في معسكر الرشيد في 3 تموز 1963؛ وتلفت المصادر الشيوعية إلى هذا التزامن في مواد استذكاره. (Tareeq Ashaab)
أسرته
تذكر مادة طريق الشعب المنشورة عام 2024 أن فالح الطائي كان متزوجاً وله ولدان. كما تشير المقالات الاستذكارية إلى شقيقه خزعل، الذي ظل حاضراً في رواية حياة فالح وذكراه بعد إعدامه. (Tareeq Ashaab)
صورته في ذاكرة البصرة
لم تكن شهرة فالح الطائي قائمة على الكتاب المطبوع وحده. فكثير من حضوره كان شفهياً وأدائياً: في المهرجانات، والتجمعات العمالية، والمعمل، والجوقات الغنائية، والمسرح.
وتتكرر في المقالات التي تتذكره صورة مميزة له وهو يرتدي طاقية شبيهة بطاقية محمد مهدي الجواهري، حتى أصبحت هذه الطاقية جزءاً من صورته في ذاكرة أصدقائه وأبناء مدينته. (Tareeq Ashaab)
ويقدم الكاتب عبد الكريم العبيدي صورة شديدة الحميمية له، بوصفه شاعراً مزج القصيدة بالحياة اليومية في محلة الجمهورية ومعمل الورق والنشاط السري، ويسميه «شاعراً وممثلاً مسرحياً» حمل هموم العمال والفقراء. (Iraqi CP)
مكانته الشعرية
تكمن أهمية فالح الطائي في أنه يمثل نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته الشاعر العامل في الشعر الشعبي العراقي.
فهو لم يكن شاعراً يكتب «عن» العمال من خارج عالمهم، بل كان واحداً منهم؛ يعمل في المعمل ويعيش في البيئة الشعبية نفسها التي يكتب عنها. ولهذا جاءت مفرداته وصوره متصلة بالنور والزنود والعمل والمطرقة وأيار والحارة والمعمل والفقر والأمل.
وإذا كان شعراء شعبيون عراقيون آخرون قد اشتهروا على نطاق أوسع نتيجة استمرار حياتهم وصدور دواوينهم بعد السبعينيات، فإن تجربة فالح الطائي انقطعت مبكراً بالإعدام، وضاعت أو بقيت غير مطبوعة أجزاء من نتاجه. وهذا يفسر جزئياً لماذا بقي حضوره اليوم أقوى في ذاكرة البصرة والحركة العمالية والشيوعية العراقية منه في الدراسات الأكاديمية العامة للشعر الشعبي.
أهم ما أمكن توثيقه من آثاره
* سِچّة وحبيب وضَوَه — مجموعته الشعرية المنشورة في أوائل السبعينيات. (Tareeq Ashaab)
* أسرار الليالي البيض — مجموعة لم تجد طريقها إلى النشر في حياته. (Tareeq Ashaab)
* المشاركة في قصايد للوطن والناس، 1974. (Iraqi CP)
* حمامات الصبح — من أشهر قصائده العمالية المتداولة. (Iraqi CP)
* هذول احنه — أُلقيت في مهرجان عمالي في البصرة سنة 1971. (Tareeq Ashaab)
* ملاحظات حول الطبقة العاملة — أُلقيت في مهرجان البصرة العمالي الثاني سنة 1972. (Tareeq Ashaab)
* مرني بشمع زفتك / مرني — قصيدة رثائية تحولت إلى أغنية ارتبطت بفرقة الطريق ولحن طارق الشبلي. (YouTube)
خلاصة
كان فالح الطائي شاعراً من نوع خاص: عاملٌ جعل من المعمل فضاءً للشعر، وشاعرٌ جعل من القصيدة امتداداً لموقفه الاجتماعي والسياسي.
وُلد في البصرة، ونشأ بين أحيائها الشعبية، وعمل في معمل الورق، وكتب باللغة الشعبية التي يتحدث بها الناس من حوله. حمل شعره هموم العمال والفقراء والحب والوطن والشهداء، وشارك في المهرجانات والمسرح والنشاط السياسي. ثم اعتُقل في 15 آب 1981، وبقي بعيداً عن أسرته حتى أُعدم شنقاً في 3 تموز 1983. (Tareeq Ashaab)
وبقيت بعده قصائده القليلة المتاحة، وديوانه «سِچّة وحبيب وضَوَه»، وذكرى ديوان لم يُطبع هو «أسرار الليالي البيض»، وصوت «مرني» و«حمامات الصبح»، شاهدةً على شاعر امتزجت في تجربته الكلمة بالعمل، والشعر بالموقف، والحياة بالشهادة.
2026-08-18