(أنت المادنك راسك)
الشهيد زين العابدين الزيادي
انتصار الماهود
حين نكتب عنهم، فإننا نحتاج إلى قواميس اللغة والحروف ، وأن تكون جميعها مجندة لخدمة أقلامنا التي تخط سطور بطولاتهم. هم رجال اختلفوا عن الجميع، لأنهم من نسل الشجعان، وأتباع حيدرة الكرار عليه السلام. لم يهابوا الموت، ولم تحن هاماتهم إلا في صلاتهم.
زين العابدين، وما أدراك ما زين العابدين. شروگي من نسل الأقوياء، تربى في أحضان الشجاعة منذ صغره، سائرا على درب العقيدة التي لم يعرف غيرها.
لا أعرف كيف أرثيه، ومن أي جزء من حياته أبدأ الحديث. أحاول أن أكتب دون أن أسرف، وأن أثبت الوقائع كما هي، حتى تعرفوا كيف عاش الشهيد الذي آمن بالوطن ونذر نفسه لخدمته.
ولد الشهيد السعيد زين العابدين عماد الزيادي في الثامن من تشرين الثاني عام 2004، وكان ترتيبه الأوسط بين أخوين، ولم تكن لديه أخوات. فقد والدته وهو في سن المراهقة، ليكون بعد ذلك بالكامل تحت رعاية والده المجاهد، الذي رسم له الطريق الجهادي للسير فيه.
عند صدور الفتوى المباركة ضد تنظيم داعش الإرهابي، كان زين العابدين لم يكد يبلغ العاشرة من عمره، لكنه رافق والده ضمن قوافل الدعم. فقد أسس والده موكبا، وباع قطعة أرض يمتلكها ليجهز المقاتلين بمواد الدعم اللوجستي والسلاح والمواد الغذائية.
كان زين العابدين وإخوته مرافقين لوالدهم أينما ذهب، فمعه عاشوا تفاصيل الطريق في قاطع مكشيفية وسبايكر وعكاشات وغيرها من المناطق. نشأ زين العابدين على خدمة الحسين عليه السلام، وأحب المجالس الحسينية التي لم يكن يغيب عنها أبدا.
كان يمتلك وعياً فريداً يختلف عن أبناء جيله، ذكياً وفطناً منذ مراهقته. بحث عن أسباب الحرب العراقية الإيرانية، وكان يسأل باستمرار: لماذا؟ وكيف؟ وما الذي حصل؟ وكان يحلل شخصية طاغية العصر صدام حسين، باحثا عن الحقيقة، غير مكتفياً بما يقال له أو يسمعه.
فرق كبير بين من ولد وهو يبحث عن الحقيقة ليميزها ويتحدث عنها، وبين من يرى الحقيقة ثم ينكرها، كما يفعل بعض مدعي الوطنية الذين لا يريدون رؤية الجرائم الوحشية التي ارتكبها نظام صدام.
بعد مرض والده بالسرطان، عمل زين العابدين في أعمال عدة، منها عاملا في فرن صمون، وعاملا في غسيل السيارات، مع استمراره في دراسته حتى وصل إلى الجامعة، وكان متفوقا. كان طالبا في المرحلة الرابعة في كلية التربية للعلوم الإنسانية، قسم اللغة الإنجليزية، في جامعة المثنى.
كذلك ناشطاً في مجال التطوع الإنساني والعقائدي، وأحد مؤسسي مهرجان قادة النصر في المثنى، ومهرجان السيد حسن نصر الله، حامي الوطن كان يحمل السلاح بيد، ويكتب الشعر باليد الأخرى.
كانت هوايته المفضلة قراءة الشعر وكتابته بالفصحى. عشق أحمد مطر والجواهري وسمير صبيح وعلي رشم وجبار رشيد وغيرهم، وكانت مكتبته عامرة بالكتب التي تغذي العقل وتسَلحه بالمعرفة في مختلف المجالات.
آخر قصيدة كتبها قبل استشهاده كانت في رثاء السيد الولي الشهيد الخامنئي، رضوان الله عليه، (توقيع حيدري). كما صدر له بعد استشهاده كتاب( الوصية).
كان زين العابدين يحمل هم الجميع، ومنهم العمال والكسبة. كان يتمنى أن تكون لهم حقوق ورواتب تقاعد وضمان صحي، وأن تتوفر لهم حياة كريمة.
مجاهد وابن مجاهد، سار على طريق الحق، وكان يتمنى الشهادة.
وكانت أمنيته أن يشيع بهتاف: “انت المادنك راسك من صاروخ الطيارة”، فهي ليست أهزوجة عادية، بل رسالة قوية تذكر المجاهدين بوالدهم الروحي، الشهيد أبو مهدي المهندس، رضوان الله تعالى عليه.
ومن سار على درب المهندس، كيف له إلا أن يواصل الطريق ؟!.
وها هو زين العابدين قد نال ما أراد. ففي فجر الثلاثاء الموافق 24 من آذار عام 2026، استشهد زين العابدين مع عدد من أبناء الحشد الشعبي، إثر قصف غاشم على أحد مقرات الحشد.
رحل عنا بجسده الطاهر، لكنه ترك الكثير لنكتب عنه. ترك طفلة بعمر ثلاثة أشهر لم تعرف والدها جيداً، وزوجة محبة صابرة، متأسية بالحوراء زينب عليها السلام، وأبا أنهكه الوجع، لكنه يحاول أن يخفي دموعه وحزنه، ويبقى شامخا كما هو نخيل الجنوب.
رحل زين العابدين بتشييع مهيب حضره الآلاف من العراقيين في مدينته الأم، وشيعوه بالأهزوجة التي أوصى بها.
فسلام على روحك الطاهرة يوم رحلت، وسلام على ذكراك التي لن تفارق أحبتك. سلام عليك يا زين العابدين، وعلى أبيك الصابر، وعلى طفلتك التي ستكبر يوما وهي تعرف أن أباها اختار أن يترك لها اسما لا يموت
2026-08-18