إنَّما هي اتِّفاقيَّة وقَّعتها الولايات المتَّحدة مع نفسها!
سعود قبيلات.
أحياناً، عندما تكون الصَّدمة قويّة، لا يعرف المرء ماذا يجب أن يقول ولا ماذا يجب أن يفعل. هذا ما حدث مع كاتب هذه السّطور، ولا بدَّ أنَّه حدث مع كثيرين غيره، في الأيَّام الماضية.. عقب اطِّلاعنا على نصّ «الاتِّفاقيّة الأميركيّة الأردنيّة» المذلّة الَّتي لم تُعرَض حتَّى على مجلس النُّوّاب الَّذي تعوَّد أن يوافق على كلّ شيء..
لم يمرّ في تاريخنا الحديث – على كثرة ما مرَّ فيه مِنْ سوءات – ما هو أسوأ مِنْ هذه الاتِّفاقيّة وما هو أكثر منها إهانةً وإذلالاً؛ لذلك، لا يمكن للمرء أن يتذكّرها إلا ويشعر بالكثير من الكدر والغمّ. الشّروط الَّتي يتمتَّع بها الأميركيّون في الأردنّ، بموجب هذه الاتِّفاقيّة، لا يتمتَّع الأردنيّون – بمَنْ فيهم الغالبيّة العظمى مِنْ مسؤولي النِّظام – بالحدّ الأدنى منها في بلادهم. إنَّها، في الحقيقة، اتِّفاقيّة وقَّعتها الولايات المتَّحدة مع نفسها. والمفارقة، هنا، أنَّ الولايات المتَّحدة، نفسها، لا تستطيع أن توقِّع، حتَّى مع نفسها، اتِّفاقيّةً مماثلة في ما يخصّ أرضها وشعبها؟
الولايات المتَّحدة تملأ الدّنيا صراخاً عن حرصها المزعوم على الحُرّيّة والدِّيمقراطيّة في العالم، فهل غاب عنها أنَّ الشَّعب الأردنيّ لم يُسأل عن رأيه في هذه الاتِّفاقيّة الخطيرة الَّتي تُصادر أبسط حقوقه وحُرِّيَّاته؟ هل غاب عنها أنَّ مَنْ وقَّعوا هذه الاتِّفاقيّة معها لم يسبق لهم أصلاً أن بذلوا أيّ جهد للحصول على الشَّرعيّة من الشَّعب الأردنيّ لكي يوقِّعوا باسمه على أيّ شيء؟
الشَّرعيَّة يمنحها الشَّعب وحده، ولا تؤخذ بالقهر والتَّسلّط. أليس كذلك يا قادة الولايات المتَّحدة؟!
لا شيء يشبه هذه الاتِّفاقيّة المشينة سوى اتِّفاقيّة «تأجير» خليج غوانتنامو للولايات المتَّحدة. سيطرت الولايات المتّحدة على جزيرة كوبا في العام 1898. وفي العام 1903 فرضت على الجزيرة اتِّفاقيَّة إذعان وقَّعها باسمها أوَّل رئيس كوبيّ (توماس إسترادا بالما)، وتشتمل على «تأجير» خليج غوانتنامو للولايات المتَّحدة مقابل ألفيْ دولار في السَّنة. عُدِّلت الاتِّفاقيّة في العام 1934 وأصبحت قيمة إيجارها 4085 دولاراً في السَّنة، وأضيف إليها شرطٌ ينصّ على أنَّ عقد الإيجار هذا لا ينتهي إلا بموافقة الطَّرفين. وفي العام 2002، أُفتُتحَ في غوانتنامو السِّجن الأميركيّ الشَّهير، سيّئ الصِّيت.
تستطيع الولايات المتَّحدة الآن أن تقيم على الأرض الأردنيّة سجوناً كغوانتنامو أو أيّ شيءٍ تريده، وليس مِنْ حقِّنا أن نعترض أو حتَّى أن نقول: آخ.
ونسأل: مقابل ماذا رهن النِّظام استقلال الأردنّ ومصالح الشَّعب الأردنيّ – إلى هذا الحدّ – للولايات المتَّحدة؟!
الاتِّفاقيّة لا تنصّ على أيّ مقابل لهذا الإذلال الكبير.. لا مادِّي ولا معنويّ. ولكن، يمكن فهم هذا بسهولة؛ الولايات المتَّحدة لا تجد نفسها مضطرّة لدفع أيّ ثمن؛ فتقديم الخدمات لها (ولبريطانيا، قبلها) إنَّما هو جزء مِنْ مهامّ النِّظام القائم كنظام وظيفيّ منذ مائة سنة.
وعلى سيرة المئة سنة الماضية، وخصوصاً بينما هم يحتفلون بمئويّة النِّظام هذا العام، كُنتُ أفكِّر في مائة سبب وسبب حقيقيّ للفشل؛ ثمّ جاءت هذه الاتِّفاقيّة لتكون وحدها عنواناً كبيراً وكافياً للفشل.
بالمختصر..
هذه الاتِّفاقيّة غير شرعيّة بالمطلق؛ لأنَّها أُبرِمَتْ بين مَنْ لا يملك وبين مَنْ لا يستحقّ. الشَّعب الأردنيّ شعبٌ حُرّ سيِّد، وليس رعيَّة تُسام لكائنٍ مَنْ كان؛ والأردنّ وطنه العزيز المصان بالمهج والأرواح، وليس مزرعةً خاصّة يمكن لمالكها التَّصرّف بها كيف شاء.
إنَّها اتِّفاقيَّة خزي وعار، ومآلها السّقوط.. لا محالة.
2021-03-23