بريطانيا وفرنسا لتأمين الملاحة في “هرمز”!
مع استمرار أزمة مضيق هرمز واتساع انعكاساتها، تتحرك بريطانيا وفرنسا لتشكيل تحالف دولي يجهّز مهمة هندسية عسكرية لتطهير المضيق من الألغام، ضمن إعادة توزيع للأدوار الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة في واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية
سعيد محمد*
بعد أشهر من إغلاقه إثر شن الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما الأخير على إيران، تقود بريطانيا وفرنسا اتصالات مكثفة لترتيب مهمة دولية تهدف إلى تجهيز قوّة تتولى تطهير مضيق هرمز من الألغام البحرية، بعد اتهامات غربية للحرس الثوري الإيراني بزرعها في الممر البحري الذي تمر عبره نسبة حيوية من تجارة العالم في النفط والغاز المسال.
ووفقاً للترتيبات التي يجري تداولها في كواليس دوائر التخطيط الدبلوماسي والعسكري، تسعى لندن وباريس إلى قيادة تحالف يضم خمس عشرة دولة، مع توزيع واضح للأدوار الاساسية بين البحرية الملكية البريطانية والبحرية الوطنية الفرنسية، بحيث تتولى القطع المشاركة مسح القاع البحري وتحديد المواقع الخطرة وفتح ممرات آمنة أمام السفن التجارية، بينما تتولى وحدات حماية جوية وبحرية تأمين عمل فرق المسح والتطهير في بيئة تتسم بكثافة المخاطر، وبحضور عسكري إقليمي ودولي يجعل أي عملية ميدانية خاضعة لحسابات دقيقة تتصل بسلامة الطواقم وبمستوى التنسيق السياسي مع واشنطن وطهران والعواصم الخليجية المعنية.
وتأتي هذه المبادرة في أعقاب سيطرة الجانب الإيراني فعلياً على حركة العبور في المضيق واحتجاز ما يقرب من 1500 من سفن الشحن داخل حوض مياه الخليج، وسط حالة ترقب بين شركات الملاحة وملاك السفن وشركات التأمين، حيث بات استئناف الحركة التجارية مرتبطاً بوجود ضمانات أمنية ملموسة وبممرات بحرية ممسوحة تقنياً وبغطاء عسكري قادر على التعامل مع تهديدات الألغام والطائرات المسيرة والصواريخ والقوارب السريعة، وأي احتكاك محتمل بين القوى المنتشرة في المنطقة.
ويقول خبراء إن التحرك البريطاني الفرنسي يعكس إدراكاً أوروبياً متنامياً بأن أمن الخليج تجاوز في هذه المرحلة حدود الاعتماد التقليدي على القدرات الأمريكية وحدها، وأن أوروبا، بوصفها مستورداً رئيسياً للطاقة ومركزاً صناعياً وتجارياً حساساً تجاه اضطراب الإمدادات، تحتاج إلى حضور عملياتي مباشر في ملف يؤثر في أسعار الوقود وتكاليف النقل والتضخم وحركة الأسواق. ولهذا قرأ مراقبون المبادرة كمحاولة مزدوجة تجمع بين إدارة خطر فوري يهدد الملاحة وبين تثبيت دور أوروبي أوسع في هندسة أمن الممرات البحرية، في لحظة يتزايد فيها الحديث داخل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي عن تقاسم أعباء الدفاع وحماية المصالح الاستراتيجية خارج الحدود القارية.
وتشير التحركات الميدانية الأولية إلى أن لندن بدأت بالفعل ترتيب جانب من الحضور البحري المطلوب، بعدما دفعت بسفينة مساعدة تابعة للأسطول الملكي من قاعدة جبل طارق باتجاه الشرق الأوسط، وهي سفينة مزودة بمنظومات مسح ذاتية التحكم قادرة على رصد الأجسام الخطرة في القاع البحري وتحديد مواقع الألغام المحتملة تمهيداً لتفكيكها أو تفجيرها ضمن نطاق آمن. كما تندرج ضمن هذه الخطوة حزمة دعم أوسع ستشمل مقاتلات تايفون ومدمرة تابعة للبحرية الملكية وأنظمة مخصصة لمواجهة الطائرات المسيرة، بما يسمح بتشكيل مظلة حماية للقوات الفنية التي ستعمل في بيئة بحرية معقدة، حيث يتداخل الخطر تحت السطح مع تهديدات جوية وساحلية فوقه.
وفي باريس، ينظر المخططون العسكريون إلى الملف بوصفه اختباراً لقدرة فرنسا على توظيف خبرتها البحرية وحضورها في الشرق الأوسط ضمن جهد مشترك مع بريطانيا، خصوصاً أن البلدين يمتلكان تقاليد طويلة في العمليات ما وراء البحار، وفي إدارة مهمات متعددة الجنسيات، كما يتيح التنسيق بينهما توفير قيادة أوروبية واضحة للعملية تتولى تبادل معلومات استخباراتية دقيقة حول خرائط الألغام ومناطق الخطر وأنماط حركة السفن الإيرانية والقوى الحليفة لها، إضافة إلى ترتيبات اتصال ميداني تقلل احتمالات سوء التقدير خلال عمليات المسح والتطهير قرب واحد من أكثر الممرات حساسية في التجارة الدولية.
بدورها، تناور الذراع الدبلوماسية للمفوضية الأوروبية لتوسيع تفويض مهمة “أسبيدس” البحرية القائمة في الشرق الأوسط، بحيث تصبح قادرة على الاضطلاع بدور رئيسي في إزالة الألغام وتأمين المرور عبر هرمز عند توفر الظروف السياسية والميدانية المناسبة، ويمنح هذا المقترح العملية بعداً مؤسسياً أوسع من المبادرة الثنائية البريطانية الفرنسية، إذ تسعى بروكسيل إلى تحويل الجهد العسكري الأنجلوفوني إلى إطار أوروبي ودولي يحظى بشرعية أوسع، ويتيح مشاركة دول تمتلك قدرات متخصصة في المسح البحري واللوجستيات والحماية الجوية، إضافة إلى دول تملك مصلحة اقتصادية مباشرة في عودة الملاحة عبر المضيق.
وتكشف تقارير صحافية عن نقاشات جارية في واشنطن بهذا الشأن تتعلق بجدل حول حجم الدور الأمريكي وحدود الاعتماد على القدرات الأوروبية في عمليات صيد الألغام، فالجيش الأمريكي يواجه ضغطاً عملياتياً مرتبطاً بتراجع عدد القطع المتخصصة لديه في هذا المجال، مع اقتراب آخر كاسحات الألغام الخشبية من فئة أفينجر من التقاعد، والاعتماد المتزايد للبحرية الأمريكية على سفن القتال الساحلي المجهزة بحزم تقنية قابلة للتكييف مع مهام مكافحة الأخطار تحت سطح مياه البحر. وفي هذا السياق، كان ملفتاً انتقاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام الكونغرس للمبادرة البريطانية-الفرنسية، حيث أشار إلى أن خطة الأوروبيين مشروطة بانتهاء الأعمال العدائية، ما يضعها في موقع الانتظار بينما تستمر العمليات العسكرية، وتبقى السفن التجارية عالقة بين خطر الألغام وحسابات السياسة.
ومع ذلك، تدرك واشنطن أن المشاركة الأوروبية تحمل فائدة استراتيجية واضحة للولايات المتحدة، لأنها تنقل جزءاً من العبء المالي والعسكري إلى الحلفاء الأكثر تأثراً باضطراب إمدادات الطاقة، كما تمنح الإدارة الأمريكية فرصة لإعادة ضبط حضورها في الخليج ضمن معادلة تتوزع فيها المسؤوليات بين جانبي الأطلسي، خاصة مع صعود أولوية المحيطين الهندي والهادئ في التفكير الاستراتيجي الأمريكي. وفي المقابل ترى العواصم الأوروبية أن الأزمة الراهنة كشفت حدود الاعتماد الكامل على واشنطن في إدارة أمن الطاقة، وأن بناء قدرة أوروبية مشتركة في حماية الملاحة أصبح جزءاً من النقاش الأوسع حول الاستقلالية الاستراتيجية والقدرة على التصرف عند تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية.
اقتصادياً، ترك الإغلاق العملي للمضيق آثاراً مباشرة على الأسواق، إذ سوى السفن العالقة داخل مياه الخليج أو قربها، فقد اتجهت شركات التأمين إلى رفع أقساط التغطية لمستويات غير مسبوقة، بينما اضطرت بعض شركات النقل إلى دراسة طرق بديلة عبر مسارات أطول وأكثر تكلفة، وهي خيارات ترفع زمن الرحلات وأسعار الشحن وتنعكس في النهاية على أسعار السلع والوقود. وبذلك تحولت الأزمة من مواجهة عسكرية إقليمية إلى عامل ضغط على الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول المستوردة للطاقة وفي القطاعات الصناعية التي تعتمد على انتظام وصول المواد الخام والمنتجات الوسيطة عبر الممرات البحرية.
وتزداد حساسية المبادرة بسبب الجمود السياسي في القنوات الدبلوماسية المرتبطة بإنهاء الأعمال العدائية، حيث تشير التصريحات المنسوبة إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى غياب اختراق حقيقي في مسار التفاوض، إذ مازالت طهران تتمسك بمطالب سياسية واقتصادية تتصل بالعقوبات وبترتيبات الأمن الإقليمي والملف النووي وبحقها في إدارة المياه القريبة من سواحلها، في حين تركز العواصم الغربية على حرية الملاحة وضرورة ضمان عبور السفن التجارية، وهو تباين يجعل خطة التطهير البحرية مرتبطة بتسوية سياسية أوسع تسبق أي انتشار كبير للقوات المكلفة بالمسح والتفكيك.
وتسعى بريطانيا وفرنسا، عبر اتصالات في الأمم المتحدة ومع عواصم كبرى، إلى توسيع دائرة التأييد للمبادرة وحشد عشرات الدول حولها، بهدف توفير غطاء سياسي وقانوني يمنح العملية طابعاً جماعياً، ويطمئن شركات الشحن والتأمين إلى أن عودة الملاحة ستتم ضمن ترتيبات مراقبة وحماية يمكن الوثوق بها، كما تتضمن الخطة إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع السلطات الإيرانية لإدارة المسائل العملياتية وتجنب الاحتكاك، خصوصاً أن طهران أبدت رغبة في تولي مهمة تنظيف الممر بنفسها باعتبارها الدولة المطلة على جزء أساسي من المضيق، وهو طرح تقابله العواصم الأوروبية بتأكيد الحاجة إلى إشراف دولي يضمن الحياد الفني ويعيد الثقة إلى شركات الملاحة.
ويمثل الخلاف حول الجهة التي ستشرف على تطهير المضيق أكثر من تفصيل تقني، لأنه يعكس الصراع الأوسع حول السيادة والنفوذ وأمن الطاقة في الخليج، فإيران تريد إثبات قدرتها على إدارة الأمن البحري في محيطها القريب، بينما تخشى القوى الغربية من تحويل عمليات التطهير إلى ورقة تفاوضية تؤثر في حركة التجارة العالمية مستقبلاً، أما شركات الشحن فتتعامل مع المسألة من زاوية عملية مباشرة، حيث تحتاج إلى ممرات محددة وخالية من الألغام وحماية مرافقة وتغطية تأمينية مقبولة، وهي شروط تجعل التحالف الدولي بقيادة أوروبية خياراً أكثر طمأنة بالنسبة لكثير من المشغلين البحريين.
وتتجه الأنظار تالياً إلى قمة مجموعة الدول السبع، المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 15 و17 يونيو / حزيران الحالي، حيث يتوقع أن تطرح بريطانيا وفرنسا تفاصيل إضافية عن خطتهما الفنية والمالية، وأن تطلبا دعماً سياسياً ولوجستياً من شركاء دوليين لتسريع الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ عند ظهور نافذة سياسية مناسبة.
وعلى كل حال، فإن نجاح المبادرة الأنجلوفونية يظل رهين ثلاثة شروط مترابطة: قدرة التحالف على توفير معدات متخصصة وفرق مدربة، وقدرة الدبلوماسية على تأمين تفاهمات مع الجانبين الأمريكي والإيراني تمنع الاحتكاك، وقدرة الأسواق على استعادة الثقة في مسار العبور عبر المضيق. وبين هذه الدوائر تتحول قضية الألغام في هرمز إلى اختبار لوزن أوروبا في إدارة الأزمات، ولقدرة الغرب على التضامن لحماية ممر بحري تأكد أنه يشكل أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-06-07