انهاء تسييس الشرطة ضرورة حتى لا تتكرر مأساة طبيب الأشرفية!
جمال الطاهات
فكرة التطور -في كل المنظومات الهندسية والاجتماعية- تستند إلى ضمان عدم تكرار الأخطاء. المؤسسات منظومات، تتطور على قاعدة ضمان عدم تكرار الأخطاء. وكل خطأ أمني هو تعبير عن عيب في المنظومة الأمنية. وتكرار تعرض المهنيين والأسر الأردنية إلى البلطجية ومحصلي الإتاوات، دون ممارسة قضائية وشرطية تمنع الجريمة، دليل حاسم على أن المنظومة الأمنية تعاني من خلل بين. التواطؤ مع تكرار الاخطاء، يعني إعاقة التطور وممانعته، وهو دليل على وجود فئة مسيطرة أو مركز نفوذ له مصلحة في دوام الحال على ما هو عليه.
الشرطة في نظرية الامن:
مدنية الجهاز الشرطي وحيادة الاجتماعي والسياسي، وضمان أن يكون ذراعاً لحماية القانون وانفاذه، هو الأساس المعياري لنظرية الامن الشرطي، كجزء من المنظومة الأمن الوطني، والتي تتكون من عدة أجهزة متخصصة في التصدي لمستويات مختلفة من المخاطر الأمنية. تعدد الأجهزة ضرورة لضمان الانسجام بين مصدر الخطر والوسائل المستخدمة في مواجهته.
من غير الملائم استعمال جرافة للعناية بالورد في حديقة منزلية، ولا يمكن ان نعيد تثبيت خيط بالقميص باستعمال الفأس، الانسجام يتحقق بالأدوات المناسبة وبطرائق العمل. محاربة الجريمة المدنية يجب أن يتم بشكل منسجم مع مدنية المجتمع. الاستجابة النموذجية عبر العالم، والمستقرة بالتجربة التاريخية لكل مجتمعات الأرض، هي تنظيم صيغة أمن محلية مدنية، تعمل على حماية المجتمع المدني، ضد الانحرافات والجرائم المدنية، وضمان انفاذ القانون، ضد أي محاولات لاختراقه، لضمان حقوق الأفراد ومصالحهم المشروعة التي يحددها القانون، كما الأعراف الاجتماعية، وهي بتكوينها الأساسي مدنية.
العودة لفكرة الشرطة في نظرية الأمن، متطلب أساسي لتوصيف الخلل في عمل المنظومة الشرطية الأردنية. الجرائم المدنية ليست تجربة أردنية فريدة. الفريد في الأردن هو الإصرار على معالجة الجرائم المدنية بوسائل غير مدنية. التصدي للجرائم المدنية يتطلب منظور أمني مدني. مدنية الجهاز الأمني ضرورة حتى يستطيع ان يتعامل مع خطر تطور وانتشار الجريمة المدنية.
الاعتداء المركب على القضاء والأمن العام وأمن المواطنين وحرياتهم
لقد تم على مدى سنوات تسييس القضاء، وبشكل موازي تسييس الضابطة العدلية، وهي جهاز الشرطة الذي يجب وبالضرورة أن يكون محايداً سياسياً، ويخضع للرقابة المشتركة من قبل القضاء (المحايد غير المسيس) والبرلمان، إضافة إلى الرقابة الشعبية عبر الإعلام. ببساطة تسييس الأجهزة الأمنية وتحصينها من الرقابة، هو اعتداء اولاً على استقلال الضمير المهني لهذه الأجهزة، وثانياً على كل مواطن أردني، يتم حرمانه من وجود جهاز شرطة محترف في خدمة الأمن المدني للمجتمع. تسييس القضاء والشرطة، وتحويلهم من ضمانة لأمن المواطنين إلى وسائل لاضطهادهم، هي أبرز الجرائم التي ارتكبها المستبد الفاسد وعائلته بحق الأردنيين ومؤسسات الدولة الأردنية، وذلك اعتقاداً منهم ان هذا يكرس استبدادهم وفسادهم، ويديم حكمهم.
تسييس القضاء والشرطة بداية لنهاية أي نظام سياسي
ظاهرة تسييس القضاء والشرطة، هي إحدى المعالم المشتركة للأنظمة التي تسير نحو الهاوية. هذا ما عمله الملك فاروق في مصر، وما عملته الإدارة البريطانية في الهند. ببساطة تسييس القضاء والشرطة دليل حاسم على وجود فجوة بين الحكم والشعب، وأن اهداف الحكم مختلفة عن المصلحة العليا للشعب. فحين تتناقض أهداف الحكم مع مصالح الشعب، ويقوم النظام بتجاهل المطالب الشعبية، يلجأ المستبدون الفاسدون وحواشيهم إلى تسييس القضاء والأجهزة الأمنية. وهي خطوة، تثبت التجربة التاريخية أنها قد تزيد من كلفة تغيير النظام، ولكنها تؤدي إلى تعجيل سقوط نظام الاستبداد والفساد، ولا تضمن بقائه، ولا حتى تطيل بعمره.
إذ أن مدنية الأجهزة الأمنية وعدم تسيسها ضرورة لحماية معادلة الامن والحرية في أي مجتمع. وأي نظام سياسي ينطوي على معادلة للأمن والحرية، إذا تم العبث بها، أصبح سقوط النظام مسالة ترتيبات فقط.
استرداد الأجهزة الأمنية
الخطوة الضرورية لاسترداد الأجهزة الأمنية هي وقف تسييس هذه الأجهزة، واستعادتها كمؤسسات مدنية تقوم على مكافحة الجريمة المدنية. ولكن هذه الخطوة، لا يمكن تنفيذها بوجود المستبد الفاسد وعائلته في الحكم. ببساطة استعادة الوسائل والمؤسسات التي تحمي أمن المواطنين في الأردن يتطلب اسقاط المستبد الفاسد وعائلته والتخلص منهم. فهم من أفسد الأجهزة الأمنية وأضعف دورها في حماية امن المجتمع، ولا بد من التخلص منهم لاسترداد الأجهزة الامنية. ولكن بعد ذلك سوف يكون من الضروري العمل على أن تصبح الشرطة في خدمة الشعب، عملاً وممارسة وليس مجرد شعار مفرغ من مضامينه.
استرداد الأجهزة الأمنية يتضمن مجموعة خطوات يجب البدء بتنفيذها لإزالة الخلل السابق، وتصحيح المسار بشكل مؤسسي، من أجل المستقبل.
اولاً: الحاق المراكز الأمنية عملياتياً بالمحاكم:
يجب أن تعمل المراكز الأمنية (كضابطة عدلية) تحت إدارة ورقابة محاكم البداية والصلح. وهذا يعني بكل بساطة ان المرجع العملياتي للمركز الأمني هو الجهاز القضائي. المراكز الأمنية تخضع إدارياً لقيادة الامن العام، ولكنها عملياتها تحدد بالتنسيق مع المحكمة التي يتبعها مركز الأمن. فلا يوجد أمن مدني مستقل عن العدالة ومرافقها وفاعليتها. وهذا يتضمن أن يتلقى المركز الأمني تعليماته من القضاء، وأن يقدم تقاريره العملياتية للقضاء كذلك، ونسخة لإدارته المركزية.
ثانياً: إلغاء أي حصانة يتمتع بها رجل الامن:
رجل الامن الذي يحتاج لحصانة حتى يقوم بواجبه ببساطة لا يستوعب عمله، والمجتمع ليس بحاجة لخدماته. الحصانة الحقيقية لرجل الأمن تأتي من ممارساته القانونية، ومن ثقة المجتمع المدني به. وهذا لا يمكن أن يحصل إذا اعتقد رجل الأمن أنه يحتاج لحصانة ليقوم بخدمة اهداف مختلفة عن حفظ الامن المدني للمجتمع، والحصانة دورها فقط، تغطية الممارسات المنحرفة، وتمكين ضعاف النفوس من العمل كأداة هيمنة سياسية.
ثالثاً: ادماج المراكز الأمنية كجزء من الحكم المحلي:
ربط المراكز الأمنية بالهيئات المنتخبة للمجتمع المحلي، وليس بمركز الحكم في الدولة، وأن تصبح جزءاً من منظومة الإدارات المحلية، هو الذي يضمن عدم تسييسها، وعودة كل جهاز الشرطة إلى طبيعته ووظيفته الأساسية “مؤسسة مدنية” تحمي المجتمع المدني، وليس وسيلة سياسية لإخضاعه. وهذا لا يتناقض مع الطابع الوطني لجهاز الشرطة، ولكن المراكز الأمنية، كما المحاكم يجب أن تتكامل مع الإدارات المحلية وتساهم بتطويرها، ومن خلالها تقدم خدماتها للمجتمعات المحلية، ويضمن المجتمع عدم تحولها -تحت أي ظرف- إلى وسيلة او أداة هيمنة سياسية.
رابعاً: أن يتم تعيين المرتبات العليا للأجهزة الأمنية تحت رقابة البرلمان:
لقد اعتدى المستبد الفاسد على أمن الأردنيين وعلى جهاز الشرطة وعلى الدستور الذي عدله مؤخراً لينفرد هو وحده بتعيين قادة الأجهزة الأمنية. اول خطوة بعد سقوط المستبد الفاسد وعائلته، هو تعديل الدستور والقانون، بما يضمن أن يصبح تعيين المرتبات العليا للأجهزة الأمنية تحت رقابة البرلمان. وهذا ضروري لعدم تكرار الخطأ في المستقبل، إذ أن ضمان الحياد السياسي للأجهزة الأمنية، يتطلب إدراكاً تاماً وعاماً بأن مرجعية الأجهزة الأمنية السياسية هي حكومة منتخبة وبرلمان منتخب، وليس مستبد فاسد تعلق صوره على بوابات المراكز الأمنية.
أخيراً،،
من أجل حماية أمن المواطنين، ولإنقاذ جهاز الشرطة من تدخل بعض أقراد عائلة المستبد الفاسد، ومن أجل تصفية شلل أقارب المستبد الفاسد وحواشيهم داخل الأجهزة الأمنية، لا بد من وقف تسييس الشرطة واستعادتها كمؤسسة مدنية تقوم بواجباتها لحماية الأمن المدني للمجتمع. وهذا لا يمكن له أن يتحقق في ظل وجود نظام سياسي يرى نفسه فوق المجتمع. استعادة الدولة سلطة وموارد، والتخلص من حكم المستبد الفاسد وعائلته وإنشاء الجمهورية الأردنية، هو الشرط الضروري ليستعيد المجتمع المدني امنه وسلامته واستقراره، ومنع تكرار جريمة طبيب الأشرفية بأي شكل من الأشكال.
2026-06-07