انتماء يحاور الصحافية الكاتبة السياسية ثريا عاصي:
أربع مقاربات .. لأربع إجابات
ثريا عاصي:الحكومة السورية أثبتت على مدى السنوات الخمس الماضية أنّها مؤتمنة على مشروع وطني قومي.
من مصلحة المقاومة أن لا يعترض رئيس الجمهورية في لبنان ضدّ التصدي لاعتداءات المستعمرين الإسرائيليين المتكرّرة على لبنان.
في حوار قام به انتماء مع الصحافية الكاتبة السياسية ثريا عاصي:
انتماء: كان طُرح تساؤل عبر موقعنا حول إمكانية أن يكون هناك تناغم بين انتصارات الجيش السوري الأخيرة وموضوع الرئاسة في لبنان . ما رأيك بالموضوع؟
وهل تعتقدين بوجود علاقة بين الاثنين؟
ثريا عاصي: أسئلة تصبّ في موضوع يشغلني منذ مدة، ولقد كتبت فيه حتى الآن مقالتين.
المحور المركزي في مقاربتي هو أنّ الدولة، أيّة دولة، تدخل الحرب بما تعنيه الحرب، عندما يكون لديها مشروع يستأهل من وجهة نظرها، التضحية!ينبني عليه، أنّ الحكومة السورية أثبتت على مدى السنوات الخمس الماضية أنّها مؤتمنة على مشروع وطني قومي، وأنّها ستحافظ على هذه الأمانة وأنّها لا تستطيع التصرّف بها، فهي ملك للسوريين. إذن لا تراجع، لا تنازل، لا تطبيع، لا تنحّي، لا استسلام.
هذا هو المشروع السوري الآن، بصرف النظر عن الانتقادات والاعتراضات على السياسة التي كانت متّبعة قبل إعلان الحرب على سوريا، بل أكاد أن أقول إنّه لا علاقة بين السياسات والأخطاء والزعرنة، وبين الحرب الدائرة الآن.
هناك فرق كبير بين الأزعر وبين الخائن. من المحتمل أن يعود الأول إلى جادة الصواب، أما الثاني فلا أمل في إصلاحه.
عن انتصارات الجيش العربي السوري: أفهم هذه الانتصارات، بما هي علامات تدلّ على أنّ هذا الجيش العربي السوري، تجدّد في أتون الحرب. استعاد معنى الرابطة بينه وبين سوريا السوريين.
كم من الدماء السورية خضّبت أرض سوريا منذ بداية القرن الماضي وحتى يومنا هذا يستعيد الجيش العربي السوري … جوهر الوجود السوري.أمّا موضوع الرئاسة اللبنانية فهو من التفاصيل.
يستمدّ لبنان دوره وهُويَّته من سوريا، فلولا أنّ سوريا لا تزال مشكلة للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة لما كان لبنان موضع اهتمام ورعاية.
من البديهي أنّ لبنان ينبض بالدماء السورية بشكل عام، فلبنان موجود في المعمعة السورية في حدود الدور المرسوم له، أي استخدامه في الحرب ضدّ سوريا إلى أقصى حدّ حتى لو أدّى ذلك إلى التضحية به.
إذ يجب ألّا يغيب عن بالنا أنّ للحرب على سوريا شقّاً لبنانياً، هو الحرب على المقاومة!
مجمل القول، إنّ مسألة رئاسة الجمهورية في لبنان هي مناورة من المناورات المتلاحقة في إطار الحرب على سوريا وعلى المقاومة، وبالتالي لا أعتقد أنّ لها علاقة مباشرة بآخر التطورات الميدانية!
انتماء: سينعقد مؤتمر جنيف قريباً وقد أعلنت تركيا عن قبولها بأية تسوية بما يتعلق بالأزمة السورية..
إلى أين تذهب الأمور بما يتعلق بالشأن التركي؟
ثريا عاصي: في ما يتعلّق بالموقف التركي، الذي نلحظ فعلاً انحفاضاً في سقف شروطه، فربما يكون مردّ ذلك إلى أنّ المسألة الكردية تفاقمت في المدة الأخيرة، وإلى الخوف من أن تتمدّد نار الحرب في سوريا أكثر فأكثر في الهشيم التركي.
إذ يبدو أنّ علمانية تركية ما تزال هشّة، وهي ليست نهائية. لولا ذلك لما وصل السيد أردوغان إلى الحكم، ولما راح يحلم بأنّه سلطان على إمبراطورية الإخوان المسلمين من تونس إلى اليمن، مروراً بمصر والشام والعراق. ينجم عنه أنّه من المحتمل أن يكون إخماد النيران باتَ مطلباً عاجلاً حتى لا تقع الحرب في تركية نفسها، ولكني أظن أنّ الوقت فات!
انتماء: هل من تأثير لما حققته إيران على منطقتنا؟
ثريا عاصي: بالنسبة لإيران، فلا جدال في أنّه كان لإيران تأثير عظيم على منطقتنا، منذ أن انتصرت الثورة الإيرانية على نظام الشاه. أنا على يقين من أنّ المنطقة ما تزال تعيش في أجواء المحاولات الإمبريالية لاحتواء المدّ الإيراني .
ولكن إيفاء هذا الموضوع بحثاً وشرحاً، يتطلّب من وجهة نظري تفاصيل لا يتّسع لها هذا المكان.
أكتفي بالقول إنّ الحالة الإيرانية تُقلق إلى أقصى حدّ آل سعود، لأنّ إيران نموذج عن “الدولة الإسلامية” متناقض مع “الدولة الوهابية” السعودية، كما أنّ هذا النموذج الإيراني يحمل في طيّاته رسالة ثورية ثانية، بدأت تظهر مقدّماتها؛ مفادها أنّ الدولة الدينية، أو السلطة الدينية، أو التكتّل الديني، قد يكون أحياناً لازماً وضرورياً، من أجل الخروج من مأزق خانق شرط أن يتوافق المبادرون إلى تشكيل هذا التكتّل على أنّ العقيدة الدينية تساعد المجتمع على الخلاص من وضع صعب، ولكنّها تدمّر المجتمع عندما تبقى حيث لا حاجة جمعيّة لها. وفي هذا السياق أعتقد أنّ التيار الديني في إيران بدأ ينسحب تدريجياً وحيث تسمح الظروف، ليفسح المجال أمام الدولة الوطنية، التي تكون علمانية أو لا تكون .
ومثل هذا التحوّل، أعني اعتراف التيار الديني بأنّ لدوره بداية ونهاية، يُقلق أيضاً آل سعود، وليس فقط آل سعود!ما أتمنّاه فعلاً هو أن يكون فهمي للحالة الإيرانية صحيحاً ودقيقاً، وأن يكون النموذج الإيراني هو النموذج الذي يتّبعه حزب الله في لبنان، وجميح الحركات السياسية التي جعلتها الظروف الثقافية، تلجأ مضطرة إلى توظيف الديانة في تجنيد الناس دفاعاً عن أنفسهم وعن بلادهم. ومهما يكن فإنّ الديانة لا تصلح لتأسيس سلطة، كما أنّها لا تصلح أيضاً لاستلهام سياسة وطنية.
انتماء: ما هو تقديرك لموقف حزب الله من موضوع الرئاسة اللبنانية بعد تصريحاته الأخيرة بما يتعلّق بالسعودية؟
ثريا عاصي: بالنسبة للمقاومة فإنّ متطلبات الأوضاع التي تمرّ بها المنطقة، نتيجة للحرب التي يشنّها المستعمرون الذين كمثل لورانس، يرتدون لباس أهل شبه جزيرة العرب، فإنّ عليهم ألّا يقعوا مرة ثانية في خطأ اتفاق الدوحة.
إذ من مصلحتهم أن لا يعترض رئيس الجمهورية في لبنان ضدّ التصدي لاعتداءات المستعمرين الإسرائيليين المتكرّرة على لبنان، وأن لا يكون نصيراً لآل سعود في الحرب على سوريا وأن لا يُنهي ولايته وهو يردّد “عاشت المملكة السعودية”!
2016-01-29
