اليوم الذي اجتمعت فيه الفصول. 3!
ابو زيزوم.
الحب من طرف واحد يقع عادةً بين طرفين غير متكافئين . أحياناً يتحقق التكافؤ في وقت لاحق، اما ان تنقلب الآية وترجح كفة المحب على المحبوب فحالة بالغة الندرة . ولقد عشق مهدي يساراً وشغفته حبّاً وهي لا تدري . لم تكن أفضل منه حالاً بل على العكس كانت أشقى ، ومع ذلك كان يراها نجمة مضيئة في العلا ويحتقر نفسه عن منزلتها . التعس الذي تتخبط فيه يزيد من قدرها خلاف ما يفترضه منطق الأشياء ! ألأنها جميلة يستحيل ضعفها الى قوة ؟ ربما ، فالنساء مخلوقات ناعمة تستمد قوتها من الجمال لا من العضلات .
هذا الحوار كان يدور في قلبه ظهر يوم شتائي غائم وقد تنحى بعيدا في حديقة معزولة كما هو دأبه . واذا بها تظهر أمامه كصبح أبلج . يحتضن قوامها الممشوق معطف بني غير طويل تأخذ التنورة تحته مداها حتى تتاخم الكعبين . وغطاء الرأس العسلي ذاته يطوق وجهها الابيض الأنيق . انها مقبلة كأنما تقصده بالتحديد . لقد تأكد في ايّام مضت بأنها لا تشعر بوجوده ، ومن المؤكد انها الان ماضية لحال سبيلها . غير انها كانت تنظر اليه بثبات ولا تكاد تشيح ببصرها عنه . ودنت يسبقها عطر منعش كأنه قادم من زمن لم يحن أوانه . خف لإستقبالها بشكل لا إرادي ، وحيته برقتها المعهودة . أثار دهشته انها حيته بالإسم مكذبةً ظنونه التي كان يداولها قبل قليل . بدت حييةً ومتحرجة الى حد بعيد وقد اعترى وجهها الذبول ونطقت عيناها السوداوان بالضيم . على حين غرة انقلبت حساباته رأسا على عقب ، فمن الواضح ان هذه الحلوة لم تأت عبثا !. وبلا إمهال باشرت الحديث تمهد للحاجة التي دفعتها إليه . ذكرت مشكلتها المستفحلة مع الدكتور جمال بعبارات قليلة ومترعة بالأسى لتخلص الى القول انه سيتعمد إفشالها مهما كان جوابها. يُعرض مهدي احيانا عن مواجهة عينيها الحوراوين لصعوبة الصمود امامهما ، ويهز رأسه مؤمّنا على كل جملة تنبثق من ثغرها الشهي . فلما وصلت الى التصريح بأن الاستاذ سيفشلها لم يكتف بهز رأسه وانما أكد بلسانه ان هذا سيحدث . والحقيقة انه فكر بذلك مسبقا وتوصل الى نفس القناعة .
وجمت هنيهة إذ فاجأها ان هذا الشخص النائي يعرف عن مشكلتها الكثير . ثم قالت برجاء : وأريد مساعدتك !. وهذا ما يتمناه في اعماق نفسه ، لكنه لم يفقه بعد نوع المساعدة التي يستطيع تقديمها . وأياً يكون المطلوب فإنه لن يبخل به إكرامًا لعينيها الضارعتين . قالت : اريد منك ان تكتب اسمي على دفترك الامتحاني واكتب اسمك على دفتري !. وانتظرت كما ينتظر المتهم قرار الحكم وعيناها تلتهمانه بفضول أخاذ .
وجم مهدي ليس تردداً بل لأن المطلب غريب وخارج الحسابات . وحين عصف القلق بخديها المتوردين انتبه الى انه يبدي أمامها ضعفاً غير لائق ، فانتفض وقال : أبشري . فأشرق وجهها من جديد وذرفت دمعة . ثم استفهم عن الغاية من تبادل الاسماء ما دامت ستبقى مطوية الى ما بعد اكتمال التصليح وتثبيت الدرجات !!. روت له العلة التى تراها للإمتحان الطارىء قبل ايّام . لم يخطر بباله او ببال غيره هذا التعليل . وجزم على الفور بصواب توقعاتها . فأضافت كأنما تهوّن عليه التضحية : انت لا تحتاج اكثر من ثلاث درجات لتدرك النجاح . أسعده انها راجعت رصيده الثر من الدرجات وربما استفهمت عن أشياء اخرى تخصه . وضحك بحبور وهو يقول : وأريد من جوابك المستعار الثلاث درجات . ضحكت بهناء لشعورها ان المصيبة تنقشع وقالت : سيضع لي ما لا يقل عن خمسة عشر درجة لتجنب الشبهات . قال مهدي : لكنك لن تبلغي العشرين بأي حال .
افترقا كلاهما تغمره السعادة . احس مهدي انه يولد من جديد وان معجزة تتحقق لأجله . فأن تصاب الفتاة التي يهفو اليها قلبه بمصيبة لا يقطع دابرها سواه لهو المعجزة بعينها . وتلك باكورة عهد مختلف من حياته . لقد تبدل حاله كليا ولم يعد خاملا ساهم العينين . لا تراه الا نشطا متوثبا يمازح هذا ويجامل ذاك او يدندن بأغنية .
يوم امتحان الضوء وهو آخر امتحانات الموسم كانت يسار مهمومة شاحبة الوجه ، كلما لاقتها احدى صديقاتها سألتها ( شبيچ ). ان عقلها يتفنن في نسج الاحتمالات المأساوية لهذه المغامرة . مرة تتخيل مدير القاعة وهو يستلم دفترها ينتبه للإسم الذكوري المثبت عليه فيتحقق من الامر وتقع الكارثة . ومرة ترى الدكتور جمال مراقبا في ذات القاعة فيرابط بالقرب منها وترتبك أمامه وتكتب اسمها لا اسم مهدي ويضحي لها دفتران ومهدي بلا دفتر . وكلما أمعنت في الأخيلة الجائرة تصاب بتعب لا يطاق وتلعن الشيطان وتخرج مما هي فيه ساعة لتعود اليه مرة اخرى .
تقابلا خطفا قبل الدخول الى الامتحان ليؤكد احدهما للآخر المضي في المهمة . وقد أدهشها انه رائق النفس متحمس مثل ممثل قدير يتقدم الى المسرح . فهو لا يجد ادنى ضير من هذه المغامرة الرائعة. حتى لو منيت الخطة بالفشل الذريع لن يكون مبتئسا بل ربما تكون سعادته أكبر ، لأنه سيكون قد خسر شيئا في سبيلها وتكون مدينة له بدين يصعب سداده . وافترقا الى قاعتين مختلفتين . جلست وهي تقرأ في سرها بعض الآيات والأدعية . ووزعت الدفاتر ثم الأسئلة . في القاعة مجاميع من صفوف مختلفة . ووجدت الأسئلة سهلة . وابتسمت بمرارة عندما وقع بصرها على السؤال إياه الذي طرحه عليهم الدكتور جمال قبل ايّام في امتحان صفي غير مسبوق . لقد تأكدت هواجسها . وتخيلت مهدي يبتسم أيضا في ذات اللحظة . وشرعت تجيب مرجئة كتابة الاسم الى اللحظة الاخيرة . ففي روعها ان الدكتور جمال قد يدخل في أي وقت ويتفرس دفترها .
كانت تجيب بسلاسة واتقان فيحزنها ان هذا الجواب لن ينال استحقاقه من التقييم . لن تتجاوز درجتها العشرين حتى لو كتبت المطلوب حرفيا . وهذا من سوء حظ مهدي الذي ستؤول اليه حصيلة هذا الجواب . فشعرت نحوه بفيض من الحب .
أتمت الجواب ، وراجعته ، وتريثت في النهوض بانتظار ان يحصل تزاحم على مكتب المدير كي تدس دفترها دون انتباه من احد . ومع الانتظار تزداد دقات قلبها قوة حتى ليخيل اليها ان القريبين يسمعون هذا القرع المتصاعد في صدرها . وازداد عدد الذين يسلمون دفاترهم فتلفتت يمينا ويسارا ثم كتبت الاسم المنحول وتقدمت الى المنضدة التي تراكمت فوقها رزم الدفاتر مصنفة حسب المراحل والأقسام . ان مهمة مهدي اخف من مهمتها فإسم ( يسار ) الذي سيكتبه لا يثير شبهة لأنه يصلح للأنثى والذكر . اما الاسم ( مهدي ) الذي كتبته فلا يصلح لأنثى بتاتا . لذلك تقدمت مثل لص وحشرت نفسها بين المتزاحمين وبحثت ببصرها عن رزمة ( الثاني فيزياء ) بينما تلف الدفتر في يدها بهيئة أسطوانة لإخفاء معالمه . ووضعت الدفتر فوق الدفاتر وكتبت الاسم المرعب في القائمة وألقتها وزفرت بصوت مسموع وخرجت .
كانت متلهفة لرؤيته كي توشحه بكل ما في روحها من عواطف الامتنان . لكنه لم يعد هناك ، خرج قبلها ولم ينتظر . فتشت عنه ووقفت سويعة امام القاعة التي يمتحن فيها . فلما تأكدت من خروجه اقلعت مؤجِلةً وقفة الشكر أسبوعين . فهذا هو الامتحان الأخير ولن يلتقيا الا بعد العطلة . ________ يتبع
( ابو زيزوم _ 806 )
2020-03-09