الورقة الثالثة عشر والأخيرة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. الجزء9 ! بقلم أعلية العلاني*
تَعرّضْنا في المقال السابق لعلاقة الدين بالسياسة وأكدنا أنها علاقة وَصْل وفَصْل كما يقول الباحث الأستاذ احميدة النيفر. ونحاول في هذه الورقة، وفي إطار الخطاب البديل، توضيح العلاقة بين الدين والدولة وتقديم جملة من المقترحات العملية في مجال التأهيل والإدماج الاجتماعي لمعتقلي التطرّف العنيف. 1) العلاقة بين الدين والدولة: علاقة تبعية الديني للسياسي في عهد الرسول محمد – ص- كانت هناك نواة دولة يحتل فيها النبي وظيفة مزدوجة فهو قائد سياسي وصاحب دعوة دينية. ورأينا كيف كان حرْصُ النبي، في ممارسته لشؤون الدولة الناشئة، واضحا في إبراز الفرق بين الفضاء الديني والفضاء السياسي عندما قال لهم أن شؤون الدين تأتي عن طريق الوحي وبالتالي تدخل ضمن المقدس بينما شؤون الدنيا تتبلور عن طريق حوار البشر وتحتمل قراراتُها الصواب والخطأ كما أسلفنا سابقا في الحديث النبوي. وبعد وفاته اتسعت حدود الدولة خارج الجزيرة العربية وكَبُرت حاجياتها. كما لا ننسى أن الدولة في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة لم تَخْلُ من حروب طاحنة بين المسلمين وكان ذلك بسبب الحكم أي بمَنْ يُمسك برأس السلطة. ويعرف هؤلاء المسلمون جيدا ومعظمهم من صحابة الرسول أنّ قتْل المسلم للمسلم حرام مثلما تمّ التأكيد عليه في حجة الوداع، لكنهم مع ذلك تقاتلوا وانقسموا شيَعا وأحزابا ولو تمعّنّا في السبب الرئيسي لوجدناه يتعلق بمن يَسوس الدولة، فكل فريق يرى نفسه أجدر بالسلطة ويحاول تبرير موقفه بمبرر ديني مثل رفْع المصاحف على السيوف أو البحث لدى بعض الفقهاء عن رواية للحديث النبوي ولو كانت محل جدل لفرض النسب القرشي أو الانتماء إلى أهل بيت الرسول لإثبات جدارته وأحقيته برئاسة الدولة الجديدة. أ- دولة شديدة المركزية لعدة قرون وقد ظهرت هذه الدولة المركزية منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى القرن 19. وهذه المركزية الشديدة للدولة- ما عدا بعض الاستثناءات- جعلت الدين جزءا من هذه الدولة، بل ومصدرا لشرعيتها لمدة قرون. أمّا من القرن 19 إلى القرن 21 فقد تغيرت الدولة كثيرا في الشكل وفي المضمون. ففي الشكل، لم تعُد المطالبة بعودة الخلافة التي سقطت في 1924 أمرا مُلحّا، كما لم يعُدْ بالإمكان الجَمْع بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بعد ظهور المنابر والأحزاب والبرلمانات والنقابات. أما في المضمون فقد أصبحت هذه الدول منذ النصف الثاني من القرن 20 إلى اليوم منخرطة في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان بما في ذلك حرية المعتقد ومكافحة التطرف الديني، وبالتالي وقع التخفيف من المركزية الشديدة للدولة التي لم تعُد تبحث عن مشروعيتها الدينية لدى العلماء وعوّضتْها المشروعية الانتخابية ومشروعية الدستور الذي استوحى فصوله من المبادئ الدينية العامة والقانون الوضعي. ب- دولة دينية لدى تيارات التطرف العنيف كانت الجماعات الإسلامية الموازية للدولة الرسمية وخاصة تيارات التطرف العنيف تُسوّق لمشروع دولة دينية تتسم بالإضافة إلى المركزية الشديدة، بعودة نظام الخلافة الذي يحتكر فيه الخليفة أهم السلطات، وتُلغي عامل الزمن في تشريع القوانين، وتتمسك بقراءة حَرْفية ومنتقاة للنص الديني وتنادي بالعودة إلى ما يسميه سيد قطب بالجيل القرآني الفريد في كتابه “معالم في الطريق”. كما ترفض هذه الدولة النظام الديمقراطي والانتخابات وأي قانون وضعي في تسيير شؤون الدولة. وقد رأينا العديد من الفظاعات في دولة داعش وتعاملها مع الأقليات الدينية (مثل اليزيدية وغيرها) ومع المختلفين معها سياسيا ودينيا ومذهبيا. ج- مشروع الخطاب البديل يرتكز الخطاب البديل على محورين: المحور الأول: مدنيّة الدولة، وفي ذلك حماية للأقليات العرقية والدينية واللغوية. وقد أعطى الرسول المَثَل عندما زار الغلام اليهودي الذي كان يشتغل عنده وذهب لزيارته في بيته عندما علم بمرضه. كما أنّ مدنيّة الدولة تمنع الحكم المطلق وتسمح بهوامش كبيرة من التعبير الحر والمسؤول. المحور الثاني: عدم الغُلوّ في الاجتهاد الديني استنادا للحديث النبوي (إنّ هذا الدين يُسْر، ولن يُشادّ الدين أحد إلا غَلبَه) وفي هذا ردّ ضمني على بعض فتاوي تنظيم داعش التي طرحها أبو علي الأنباري وتركي البنعلي صاحب نظرية العذر بالجهل التي تقول بأن المسلم يصبح كافرا إذا لم يُجاهر بكفر شخص آخر. (انظر مقال حسن حسن، طائفية تنظيم الدولة الإسلامية، كارنغي، 13 يونيو 2016) 2) مقترحات عملية في التأهيل وأهمية الإدماج الاجتماعي نشير إلى أنه بالتوازي مع القيام بعملية تأهيل معتقلي التطرف العنيف لا بد أن تتواصل عملية ملاحقة العناصر الراديكالية خارج السجون أي أنه لا يجب أن يحصل ارتخاء في تنفيذ إستراتيجية مكافحة الإرهاب. ومع تواصُل عملية التأهيل الفكري والاجتماعي لا بد من إقناع هؤلاء المؤهلين بأن العودة إلى عمل إرهابي من جديد ستكون العقوبة فيه مضاعفة حسب قانون الإرهاب. ويمكن القول أن الهدف من التأهيل زَرْعُ الطمأنينة الدينية والطمأنينة الاجتماعية، وإذا تحقق ذلك يكون التأهيل ناجحا. أما إذا كانت منهجية المراجعات الفكرية غير سليمة فيمكن أن تدفع المُؤهَّل إلى المراوغة للخروج في أقرب وقت من السجن واستئناف النشاط الإرهابي. ويُستحسًن أن تعتمد منهجية المراجعات الفكرية على: – أولا: التبسيط في تقديم الفكرة وفي الصياغة وفي التبليغ. – ثانيا: عدم الاستعجال وأخْذ الوقت الكافي في الجدل والحوار. – ثالثا: الابتعاد عن التلقين وإعطاء الطرف المقابل الفرصة للتعبير بشكل كامل عن آرائه لأن عملية الإفراغ الكامل لتلك الأفكار المتشددة من عقول هؤلاء المعتقلين وتعويضها بأفكار مستنيرة تستوجب جهدا استثنائيا. أما بخصوص التأهيل الاجتماعي فلا بد من إحداث إدارة بالسجن الخاص بهؤلاء المُؤَهَّلين تكون لها مهمتان : الأولى تمكينُ هؤلاء من تكوين مهني في أحد المهن، والمُهمّة الثانية: مرافقة المساجين بعد خروجهم من السجن، وإعانتُهم على تبسيط الإجراءات الإدارية للتمكُّن من ممارسة نشاطهم الاقتصادي الذي يبدأ بإسناد منحة وقرض لهم بفائض ضعيف يتماشى مع مستوى النمو الاقتصادي بالبلاد، (مثلا يمكن إسنادهم منحة تساوي ما قيمته 10 آلاف دولار وقرض يصل إلى نفس المبلغ بعد دراسة دقيقة للملف) وذلك حتى لا يقع استدراجهم ثانية إلى الإرهاب تحت وطأة الاحتياج إلى المال. وعلى إدارة السجن مرافقة هذا المُؤهّل بعد فترة السجن لتوفير ظروف النجاح لمشروعه سواء بتَجْنيبه البيرقراطية الإدارية أو تمكينه من حَوْكَمَة رشيدة لمشروعه، حتى لا تتحول تلك المساعدات والقروض لغير ما جُعلتْ له. ويُستحسن أن تبقى المراقبة الإدارية للمؤهَّلين المغادرين للسجن لمدة مُعيَّنة حسب الأصناف، تٌقدّرها المصالح الأمنية مع المصالح السجنية. نٌعيد التذكير بأنه من الأفضل أن تتمّ عملية التأهيل في سجون خاصة بمعتقلي التطرف العنيف عوضا عن سجون الحق العام. ويمكن إحداثها بمساعدات من الحكومة ومن بعض رجال الأعمال ومن منظمات دولية مختصة في هذا المجال. ولإنجاح برنامج التأهيل لا بد أن يكون النشاط الاستخباراتي في المرحلة القادمة مواكبا لآخر المستجدات في مستوى مكافحة الإرهاب العادي والإرهاب السبراني (الإلكتروني) وهو ما يستوجب تدريب الأعوان وتحيين معارفهم في هذا الاختصاص عَبْر دورات تدريبية في الداخل والخارج، مع تمكينهم مجانا من مجلات وكتب مختصة ووسائل سمعية بصرية في مجال التيارات الراديكالية لأن هذه الوثائق تكون عادة باهظة الثمن، وتمكينهم أيضا من حوافز مادية تُضبط بقانون لأن الاستثمار الجيّد في الاستخبارات يوفر أفضل الظروف لنجاح برنامج تأهيل معتقلي التطرف العنيف. وختاما نقول أن كلفة التأهيل هامة في عودة العافية للأمن وللاقتصاد ولا تُقَدّر بثمن وهي أفضل بكثير من عدم التأهيل ومن الاقتصار على المقاربة الأمنية فَحَسْب. تصحيح: ورد في المقال السابق يوم 9/12/2020 أن بوكو حرام قتلت 36 ألف شخص خلال عام فقط والأصح أنه خلال 10 سنوات لذا وجب التصحيح. لقراءة الاوراق السابقة ..يرجى الضغط على الراوبط الموجودة https://www.sahat-altahreer.com/?p=67174 https://www.sahat-altahreer.com/?p=67509 https://www.sahat-altahreer.com/?p=67973 https://www.sahat-altahreer.com/?p=70381 https://www.sahat-altahreer.com/?p=68643 https://www.sahat-altahreer.com/?p=68994 https://www.sahat-altahreer.com/?p=69294 https://www.sahat-altahreer.com/?p=69712 https://www.sahat-altahreer.com/?p=70120 https://www.sahat-altahreer.com/?p=70545 https://www.sahat-altahreer.com/?p=70945 https://www.sahat-altahreer.com/?p=71340 https://www.sahat-altahreer.com/?p=71737 https://www.sahat-altahreer.com/?p=72076