الورقة الثامنة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. الجزء الرابع!
بقلم أعلية العلاني*
تَحَدّثْنا في ورقة سابقة عن استعمال مصطلح الجهاد من طرف تيارات التطرف العنيف لتبرير أعمالهم القتالية باسم الدين. فقد أصبح استعمال مصطلح الجهاد والجهاديون رديفا للمتعطشين للدماء في نظر العديد من الدول والشعوب الغربية. ومن واجبنا، أولا، تصحيحُ المفهوم وتنزيله في إطاره التاريخي الزماني والمكاني. وثانيا، تقديم الخطاب البديل لمصطلح الجهاد لمنْع معتقلي الإرهاب من السقوط مرة أخرى في خطاب الكراهية الذي يِؤدي إلى القتل باسم جهاد ديني قتالي مُوجّه لا تُقرّه الشرائع السماوية والأرضية.
1) في تصحيح مفهوم الجهاد
نُشير في البداية إلى أن مصطلح الجهاد تتفرع عنه تفريعات كثيرة يمكن أن نحصرها مبدئيا في ثلاثة تفريعات: جهاد الكلمة وجهاد قتالي (المعروف بجهاد السيف) وجهاد اجتماعي. وتَذْكُر كتب التراث الإسلامي أن الرسول – ص – جسّم هذه الصور الثلاث في حياته. فجهاد الكلمة، المقصودُ منه التبليغُ بواسطة الجدال الكلامي والموعظة الحسنة للدعوة الإسلامية الجديدة خاصة في مجال العقيدة بأن الله واحد لا شريك له (مسألة التوحيد) وأنه خالق الكون، وأنّ المطلوب هو الإيمان بكل الرسل (الآية: لا نُفرّق بين أحد من رُسُله)، وأن الله سيُحاسب مخلوقاته بعد الموت في يوم القيامة على ما بَلغَهم في هذه الرسالة. وكانت رسالة النبي محمد تتمحور حول إيصال هذه الدعوة إلى كل الناس بالحكمة والموعظة الحسنة (الآية: أُدْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، وأنْ يتحمّل في سبيلها الأذي والصعوبات، وهذا ما نُسمّيه بجهاد الكلمة، وهو الذي وقع تطبيقُه في الفترة المكّية. وعندما انتقل الرسول لمواصلة تبليغ رسالته في المدينة المنورة ( التي كانت تُسمّى يَثْرب) استطاع أن يُكوّن مجموعة قابلة بأفكاره توسَّعتْ شيئا فشيئا، وكان على الرسول محمد أن يُتمّ إبلاغ ما تبقَّى من الوحي، وكان عليه أيضا الأخْذُ بأسباب القوة (أي الاستعداد للقتال)في صورة الاعتداء على الجماعة المسلمة التي تُشكّل نواة الدولة التي شرع في تكوينها، وكان يَعْقد الاتفاقات والعهود مع القبائل الأخرى ومع اليهود من أجل ضمان عدم الاعتداء، حتى يتمكّن الرسول من إتمام رسالته التي كان مُطالَبا أن يُبَلّغها بالحُسْنى. وقد حصلتْ حروب محدودة في الزمان والمكان بسبب خرق بنود الاتفاقيات السلمية. وهذا ما دَفَعهُ إلى الجهاد القتالي الذي وضع القرآنُ له شروطا من بينها عدم محاربة مَنْ لا يُشْهر السلاح في وجهك. أما المعنى الثالث للجهاد والذي سمّيْناه من طرفنا بالجهاد الاجتماعي، فهو يعني بَذْل أقصى الجهد لتوفير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي عن طريق العمل وخَلْق الثروة واجتناب استغلال العامل (حديث نبوي: اعْطُوا الأجير حقّه قبل أنْ يجفّ عَرَقُه)، وتشجيع صاحب العمل على تنمية ثروته بإنتاجية أكبر، ومُطالبته أن يدفع نصيبا من أرباحه للدولة لكي تكون بيت المال (وزارة الخزانة أو وزارة المالية حاليا) قادرة على تنمية الجهات الفقيرة وغير الفقيرة وتحسين الخدمات المُقدَّمة للناس في الصحة والتعليم وسائر الخدمات الأخرى.
وبالتالي فالجهاد الاجتماعي يُصْبحُ هو الأساس لأنه هو الذي يُحقّق ديمومة الدولة والسلم والأمن الاجتماعي. ولذلك وَصًفَتْهُ كتب التراث الإسلامي بالجهاد الأكبر، وهذا في الحقيقة جوهرُ الدين. فالجهاد من أجل العلم والتعلّم اعتبره الإسلام فريضة أي واجبا (حديث نبوي: العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وكذلك الحديث النبوي “اطلبوا العلم ولو في الصين” رغم الجدل حول سَنَده، أي اطلبوا العلم ولو في الأماكن البعيدة جدا). فالجهادُ من أجل العلم يمنحك قوة البقاء كدولة مُشعّة وفاعلة محلّيا وإقليميا وربما دوليا. إنّ الدول المُهابة في العالم حاليا هي التي تكون أكثر عددا في براءات الاختراع، فبالعلم يتطور الاقتصاد وتنمو التجارة وتزدهر الثقافة بكل فروعها وهو ما تَحَقّق في عهد الخليفة العباسي المأمون الذي شَجّع على ترجمة علوم الإغريق والرومان، وزاد عليها المسلمون في مجال الطب والفلك والهندسة. لكنْ عندما ضَعُف الإقبال على العلم والتعلّم ساد الجهل والتقليد والتلقين، وانتقلت العلوم إلى الضفة الأخرى (أي إلى العالم الغربي المسيحي) كما قال ابن خلدون في القرن 14 ميلادي.
وبالتالي فإن الجهاد الاجتماعي في عصرنا هو الأساس، وهو أرْقى أنواع الجهاد. أما الجهاد بالكلمة لتبليغ رسالة الإسلام فقد أصبح أقل أهمية مقارنة بالجهاد الاجتماعي، في ظل تطوّر الأنترنات التي تستطيع أن تُعطيك فكرة مُفصّلة عن كل الأديان السماوية والأرضية. وسنتعرض في المقال القادم إلى ملامح الخطاب البديل الذي سيُقدمّ لمعتقلي التطرف العنيف.
البطاقة القادمة: الورقة التاسعة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. ج5
* أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة- تونس
2020-11-14