الورقة الثانية عشر في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. الجزء الثامن!
بقلم أعلية العلاني *
تحتل مسألة العلاقة بين الدين والسياسة وبين الدين والدولة حيّزا كبيرا من اهتمام النخب والعامّة في العالم وفي المجتمعات الإسلامية بالخصوص، لأن هذا الموضوع انتقل من مجاله الفكري إلى تأثيراته الأمنية خاصة مع نمو ظاهرة التطرف العنيف، وكذلك بسبب إيمان أنصار هذا التيار بأولوية الدين على الدولة وأولوية الدين على السياسة أو ما يُسمّى بتَدْيين السياسة. واصطدمت هذه الرؤية بمواثيق حقوق الإنسان حول السلم والأمن الدوليين. وكان من تداعياتها صعود الراديكالية الدينية. وهنا يكفي أن نقول أن 36 ألف شخص قُتلوا في العام الفارط من طرف بوكو حرام حسب تقرير الأمم المتحدة سنة 2019. ونحاول في هذه الورقة طرْح خطاب بديل، في إطار تأهيل معتقلي التطرف العنيف، وتوضيح طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة.
1) العلاقة بين الدين والسياسة علاقة وَصْل وفَصْل
حَرِصَ الرسول محمد – ص- على تذكير صحابته بضرورة التمييز بين العقيدة الدينية والأنشطة في الحياة اليومية للفرد والمجموعات، فأكد في الجانب العقائدي على مبدأ التوحيد والإيمان بالكتب السماوية والرُّسُل واليوم الآخر، بالإضافة إلى أداء الشعائر كالصلاة والصوم والحج والزكاة. أما في جانب النشاط اليومي للفرد والمجموعات فيمكن أن نُقسّمها إلى قسمين: قسم يخص السلوك الفردي والجماعي، وقسم يخص سياسة الدولة. فما يتعلق بالسلوك الفردي والجماعي، نذكر على سبيل المثال التشبّع بقيم التفاني في العمل الذي يُصنَّف كأحد أشكال العبادة وتجسيم التضامن المجتمعي مثل نجدة المظلوم والجار الجائع (الحديث النبوي: ما آمن بي مَنْ بات شبعان وجاره جائع) ويمكن أن يكون الجار مسلما أو غير مسلم. كما يمكن أن يكون السلوك الجماعي جليا بشكل أكبر في زمن الكوارث والجوائح حيث يصبح التبرع الفردي والجماعي أي العمل الخيري الخالص لوجه الله وليس لوجه الدعاية الانتخابية نشاطا دينيا يُثاب عليه القائمون به مثل الصدقة الجارية. أما ما يتعلق بتدبير الشأن السياسي فلم يكن مرتبطا عُضويا بتعاليم دينية. وتتحدث السيرة النبوية أن الرسول كان يتخذ قرارات ثم يتراجع عنها بعد اعتراض بعض الصحابة عليها ويقبل في النهاية بآرائهم، وهي قرارات ذات طابع اقتصادي وحربي (حديث نبوي: إذا أخبرْتكم بشيء من أمر دينكم فإنما هو بوحي، وإذا أخبرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر، وأنتم أعلم بأمور دنياكم وورد في صحيح مسلم بصيغة مشابهة) وهنا كان الرسول واضحا في ربط المقدس بالدين فقط، أما في الدنيا فهناك أخْذ وعطاء وهذا ما جعلنا نفهم لماذا لم يوص الرسول باتباع نظام سياسي محدد بعد وفاته (وهذا أهم شيء في السياسة). ويدفعنا هذا للقول أن التدبير السياسي والاقتصادي بصفة عامة لا يخضع بالضرورة لقواعد دينية وإنما لاجتهادات مدنية تتأثر بمعطيات الزمان والمكان. ولذلك نقول أن العلاقة بين الدين والسياسة ليست علاقة اندماج كلي بينهما وإنما علاقة وَصْل وفَصْل. وَصْل في المبادئ العامة كالعدل والشورى والتضامن الإنساني، وعلاقة فَصْل في تفاصيل شؤون الحكم والاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة إلخ.
2) العلاقة بين الدين والسياسة في الفترة المعاصرة
أ – هي علاقة تكامل جزئي
اصطدم زعماء الإصلاح الديني في القرن 19 ومطلع القرن 20 باتّساع الهوة في التقدّم بين العالم الإسلامي والعالم الغربي المسيحي فكان من مصر محمد عبده والطهطاوي وغيرهما الذين لا يرون تعارضا بين الإسلام والحداثة، وكان من تونس ابن أبي الضياف الذي يدعو إلى الحكم المقيد بقانون، والوزير التونسي خير الدين الذي يعتبر أن اقتباس العلوم من الغرب لا يتعارض مع الشريعة، والعالم الزيتوني التونسي الطاهر بن عاشور وكتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية الذي يرى بضرورة تنزيل النص المقدس على الواقع، ومن سوريا عبد الرحمان الكواكبي الذي يُحذّر من استبداد الحكام في كتابه “طبائع الاستبداد” ومن لبنان شكيب أرسلان الذي يتحدث عن عوامل التقدم والتخلف في كتابه: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟، بالإضافة إلى مساهمات مفكرين وعلماء وسياسيين في تلك الفترة مثل الأمير عبد القادر الجزائري وعبد العزيز الثعالبي وعلال الفاسي وقاسم أمين والطاهر الحداد وغيرهم.
ب- هي علاقة تمييز بين الوظائف الدينية والسياسية
ويُقصد بذلك التمييز في الوظائف، وهي نظرية الباحث والسياسي المغربي سعد الدين العثماني (رئيس الحكومة الحالي بالمغرب) في كتابه: “كتاب الدين والسياسة تمييز لا فصل”، ولو أن بعض المفكرين يعتبرونه أقرب نسبيا إلى فكر تيار الإسلام السياسي منه إلى فكر زعماء النهضة في القرن 19.
كان الخيط النّاظم بين فكر زعماء الإصلاح الديني يتمثل في أمرين: الأمر الأول، عدم التداخل بين الوظائف السياسية والدينية فالقرار السياسي يعود إلى صاحب الحكم بعد إشراك علماء الدين وغيرهم من عناصر المجتمع الأهلي (أي المجتمع المدني) في تقديم المشورة والمقترحات. أما الأمر الثاني، فيتمثل في حث العلماء على تقديم رؤية جديدة للدين بِفَهْم جديد ومقاربة جديدة لا تأخذ من التراث إلا ما كان تنويريا وعقلانيا. ويبدو أن تيار الإصلاح بقي نخبويا لأسباب عديدة، كما أنه وَجَد معارضة شديدة من طرف بعض الشرائح الدينية المحافظة التي أسست في 1928 تيار الإخوان المسلمين في مصر، في ظرفية تزامنت مع سقوط الخلافة العثمانية تبِعَتْها في 1929 أزمة اقتصادية عالمية واشتداد القبضة الاستعمارية على معظم بلدان العالم الإسلامي. وكان لهذا التيار الجديد الذي أصبح يُعرف بتيار الإسلام السياسي رؤيتُهُ المتباينة مع تيار الإصلاح الديني في مسألة العلاقة بين الدين والسياسة وفي التعامل مع مكتسبات الغرب التي كانت مرفوضة لديهم. ويتبنى هذا التيار في مرحلته الأولى فكرة الاندماج الكلي بين الدين والسياسة وأولوية الديني على السياسي والمطالبة بعودة الخلافة وقتال الكفار (مقولة حسن البنّا، الإسلام مصحف وسيف). وخرجتْ من رَحِم هذا التيار الجماعاتُ السلفيةُ الجهاديةُ في سبعينات القرن العشرين المتورطة في العديد من الاغتيالات. وأصبح للتيار الجهادي مقاربات أكثر راديكالية من تيار الإسلام السياسي الذي حاول أن يُطوّر أطروحاته بعد 2011 لكنه لم يستكمل مراجعاته لحد الآن. وظهر مع تيار الجهاديين الحاليين مُنَظِّرون يُنظّرون للعنف “المحمود” والعنف “المذموم” ولا يَقْبلون أيّ فصل أو تمييز بين الدين والسياسة فكل نشاط للأفراد أو للمجموعات هو في نهاية المطاف عمل سياسي يجب أن يكون، في نظرهم، خاضعا للرؤية الدينية التي يتبنّونها وإلا تُصبح دماؤهم مستباحة. فالسياسة عندهم في خدمة الدين، والدولة في خدمة الدين، والخليفة إمام ديني وقائد سياسي، وكل الأنظمة الأخرى الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية مرفوضة ومُدانة وتجبُ محاربتها في رأيهم. وكانت النتيجة قتلى بعشرات الآلاف في هذه العشرية فقط بتعلّة إقامة الدولة الإسلامية، لكنّ فِكْر هذا التيار رغم هزيمته عسكريا بقي منتشرا في صفوف الشباب. وبالتالي نقول أن تأهيل تيارات التطرف العنيف حول مقاربة علاقة الدين بالسياسة لا بد أن تُعطى لها الأولوية القصوى.
البطاقة القادمة: الورقة الثالثة عشرة والأخيرة في تأهيل مساجين التطرف العنيف- الخطاب البديل ج9
أكاديمي ومحلل سياسي – جامعة منوبة – تونس*
2020-12-12