المجتمعات لا ترتقي إلا حينما ترتقي بأخلاقها وثقافتها!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في عالم اليوم، الذي تسارعت فيه وتيرة التحولات التكنولوجية والاقتصادية، يظن البعض أن ارتقاء المجتمعات يقاس بما تحققه من تقدم مادي، أو بما تبنيه من مصانع وجسور وأبراج شاهقة. غير أن الحقيقة التي تثبتها تجارب الأمم، هي أن المجتمعات لا يمكن أن تزدهر حقًا، إلا حينما ترتقي بأخلاقها وثقافتها أولًا.
فالأخلاق هي العمود الفقري لأي حضارة إنسانية، والميزان الذي يحدد إن كانت ثمار هذا التقدم خيّرة وبنّاءة، أم مدمرة ومشوّهة. فما جدوى ثراءٍ ينشر الأنانية؟ وما قيمة معرفةٍ تفتقد إلى ضمير حي؟ وما فائدة سلطةٍ تخلو من العدالة؟ لقد رأينا في محطات كثيرة من التاريخ كيف انهارت دول كبرى، رغم سعة مواردها وقوة جيوشها، لأن الفساد الأخلاقي نخر في جسدها وأفقدها قيمتها الإنسانية ومشروعيتها أمام شعوبها.
ولنا في سقوط الإمبراطورية الرومانية مثلٌ بليغ: لم تكن تنقصها الثروة ولا الجيوش، ولكن الفساد، والانحلال الأخلاقي، والتنازع الداخلي، أطاح بها في النهاية. وفي التاريخ القريب، لم يمنع التقدم الصناعي والتقني لدول مثل ألمانيا النازية أو جنوب أفريقيا العنصرية من الانهيار السياسي والوصم الأخلاقي، حين انحرفت أنظمتها عن القيم الإنسانية.
كذلك، فإن الثقافة هي الروح التي تصوغ هوية المجتمع وتصالحه مع ذاته ومع الآخرين. الثقافة ليست رفاهية، بل هي شرط أساسي للوعي، والفهم، والإبداع، ولإنتاج إنسان مسؤول. المجتمع الذي تنطفئ فيه شعلة الثقافة يتحول إلى قطيع، تسوقه الأهواء والمصالح الضيقة، بينما المجتمع المثقف يصون ذاكرته، ويُحسن التعامل مع مستقبله.
أما في العراق، فالأمثلة أكثر قربًا وأشد مرارة.
لقد ورث العراق بعد عام 2003 فرصة تاريخية ليبني دولة ديمقراطية عادلة على أنقاض الاستبداد، لكنه تعثر كثيرًا بسبب غياب القيم الأخلاقية العامة، وانتشار ثقافة المحاصصة الطائفية والفساد، وتراجع الوعي الوطني والثقافي لصالح العصبيات الضيقة. رأينا المسؤولين يرفعون شعارات الوطنية والإصلاح في العلن، بينما يمارسون الفساد وينهبون ثروات البلد في الخفاء. ورأينا شبابًا ضائعين بين ثقافة الكراهية وثقافة الاستهلاك، وهم يفتقرون إلى منظومة تربوية وثقافية تصنع منهم مواطنين أحرارًا وواعين.
في انتفاضة تشرين 2019، لمّح الشباب العراقيون إلى هذه الحقيقة حين رفعوا شعار: “نريد وطن!”، لم يطلبوا أموال النفط ولا المناصب، بل وطنًا يحكمه الضمير الحي، وتُبنى فيه قيم العدالة، والكرامة، والثقافة الحرة.
إننا، في عالمنا العربي عمومًا والعراق خصوصًا، بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار لقيم الأخلاق الرفيعة في حياتنا العامة والخاصة، وإلى ترسيخ ثقافة الحوار، والتسامح، والانفتاح، بدل ثقافة الإقصاء والتعصب والانغلاق. فليست الأخلاق ترفًا روحيًا، بل أساس للعدل والاستقرار، وليست الثقافة زينةً للنخبة، بل ضرورة لصناعة جيل واعٍ يستطيع أن يبني وطنه ويحميه.
ولا أبالغ إذا قلت إن مشكلاتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ما هي إلا أعراض لمشكلة أعمق: غياب القيم، وضعف الوعي الثقافي. والدواء هنا يبدأ من إصلاح التربية والتعليم، ونشر قدوات أخلاقية وثقافية، والتأكيد على أن التنمية الحقيقية لا تُختزل في أرقام الميزانيات، بل تُقاس بما نصنعه من إنسان صالح ومجتمع كريم.
لقد قيل قديمًا: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا». وكما أن الفرد لا تكتمل إنسانيته إلا حين يتهذب خلقه وتتفتح ثقافته، كذلك المجتمع لا يرقى إلا حين يتحلى بالفضائل، ويؤمن بالعلم والثقافة كطريقين للتقدم.
لقد أثبتت لنا دروس التاريخ وتجارب حاضرنا أن المجتمعات لا ترتقي إلا حين ترتقي بأخلاقها وثقافتها. وما دمنا ندرك أن مشكلتنا الحقيقية تبدأ من غياب القيم وضعف الوعي، فإن الحل يبدأ من كل واحد منا؛ بأن نكون قدوة في السلوك، وروّادًا في نشر الثقافة، وبناةً للوعي. فلنزرع في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا حب الفضيلة والعلم، ولنؤمن أن كل خطوة نحو الأخلاق والوعي هي خطوة نحو عراقٍ أفضل ووطنٍ يستحق أن نحيا فيه بكرامة وفخر. فلنكن جميعًا حجر الأساس لهذا البناء.
2025-07-14
