الغباء الغربي في التعاطي مع المجتمع الروسي !
كتب ناجي صفا
ما زال الغرب يتعاطى مع البنية المجتمعية الروسية ، السياسية منها والإجتماعية – الثقافية والعسكرية ايضا ، بغباء وحقد منقطعا النظير ، هو لا يدرك بان الوعي الجمعي الروسي لا زال يختزن في اعماقه المآسي التي عمل عليها الغرب بعد انهيار الإتحاد السوفياتي ، وموقفه من الإستفادة المريرة التي مارسها الغرب استنادا الى غباء يلتسين وعدم آهليته ، ومحاباته للغرب الذي اوغل تدميرا للبنى السياسية والإجتماعية وبخاصة الإقتصادية التي وضعت المواطن الروسي على حافة الإذلال وحافة الجوع وفقدان الكرامة الإنسانية بتواطىء ومشاركة من الحركة الصهيونية التي وجدت ضالتها وفرصتها في الإستيلاء على ثروات الشعب الروسي والدولة المنهارة .
ساعد ذلك الرئيس بوتن حامل مشروع اعادة نهضة روسيا على لم الشمل الروسي، وعلى اعادة الامل بحياة كريمة، بالترافق مع عزة وكرامة افتقدهما الشعب الروسي في فترة حكم يلتسين .
ما زال الغرب بغبائه وحقده يكرر ذات الأخطاء حيال المواطن الروسي ودولته ، حين اطلق البروباغندا الإعلامية بوجه روسيا ، وهي البروباغندا التي افرغت واستفرغت كل الحقد والكراهية بوجه الروس ، وبلغ بها الامر حد التحريض ضد القطط والكلاب الروسية ، كما ضد الرياضيين والأدباء والفنانين والمثقفين والكتاب الذين تعمر رفوف المكتبات في الغرب بنتاجهم الادبي والفني (الموسيقى والقصة والرواية) وسواهما .
راهن الغرب من خلال اجراءاته الصارمة ، ومن خلال العقوبات القاسية التي فرضها وطالت كل شيء تقريبا ، من المصرف الذي فصل عن السويفت العالمي ، الى اصغر سلعة استهلاكية كانت تستوردها روسيا من الغرب ، راهن من خلال كل هذا واستخدمه بحقد وغباء املا في تفكيك وفرز النسيج الإجتماعي الروسي، وفي تحريضه على الثورة على الرئيس بوتن . وحاول لعبة شق القوات المسلحة من خلال اكاذيب وتضليلات بدأ يشيعها عن تباينات وانقسامات في صفوف القوات المسلحة ، وعن خلافات مع الرئيس بوتن، وعن اعتراضات على الحرب الاوكرانية ، بلغ الامر حد الراهان على انقلاب عسكري حرض عليه ، كذلك اشاع اوهاما عن خلاف مع حاكمة البنك المركزي الروسي، ليتبين ان كل اجراءات الحماية التي حمت روسيا ، وكل النصائح التي اعادت للروبل هيبته وقيمته كان وراءها حاكمة البنك المركزي .
لم يدرك الغرب حتى الآن ، سواء سذاجة او حقدا ، انه كلما اوغل في بثت دعاياته الحاقدة ، وكلما مارس البروباغندا ، كلما ادى ذلك الى مزيد من التماسك المجتمعي الروسي ، وكلما زاد الإلتفاف حول الرئيس بوتن، ولا سيما من فئة الشباب الذين راهن الغرب على تبنيهم للعولمة، والنظام النيوليبرالي العالمي الذي فرضه الغرب ، وانماط العيش والإستهلاك التي كرسها ، واملا بإعجاب هؤلاء الشباب بذلك النمط المعيشي الغربي ، متناسيا ان كل مواطن روسي يختزن بداخله ذكريات مروية عن الآباء والأجداد عن مآسي الحرب ضد النازية في الحرب العالمية الثانية ، التي كلفت الإتحاد السوفياتي والشعب الروسي اكثر من خمسة وعشرين مليونا من المواطنين الروس ، الذين ذهبوا ضحية تلك الحرب على النازية ، وبانه لا يوجد بيت روسي لم بفقد اخا او ابا او صديقا او قريبا او عزيزا في تلك الحرب ، وهو يرى النازية الجديدة والمتجددة مرة اخرى في اوكرانيا ، يغذيها الغرب لأهدافه الإستعمارية القبيحة والقذرة .
يحاول الغرب بكل ما أوتي من ادوات تمديد عمر الحرب، وذلك لإستنزاف روسيا سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، ويحاول توسعة مداها باستدراج الروسي باتجاه دول اخرى ، لعبة كاليدونيا تأتي في هذا السياق ، وتحريض الجوار الروسي ، والإندفاعة في ارسال السلاح النوعي والحديث جدا بهدف قلب المعادلات، حيث يجري الحديث عن ارسال نصف الأحتياط الاميركي من بعض الاسلحة النوعية ، هذا ما دفع بعض الإستراتيجيين الأميركيين للتحذير من هذا التصرف، ووصفه بانه بالغ الخطورة وبات يشكل خطرا على الامن القومي الاميركي، بان يرسل نصف الاحتياط من السلاح ويتم تغريغ مخازن الأسلحة الاميركية ، كان الجواب الروسي ردا صاعقا وسريعا في كاليننغراد ، بمناورات استخدمت صواريخ يمكنها ان تحمل رؤوس نووية، وتحاكي معركة يمكن ان يستخدم فيها هذا النوع من الصواريخ وتلك الأسلحة ، وللإعلان بان الاصبع على الزناد وان الخيارات مفتوحة .
بدأت مؤشرات الإنهيارات في اوروبا الغربية ، ازمة غاز وفيول ونفط ، وازمة كهرباء وتقنين في الكهرباء في بعض الدول كما يحصل في بعض دول العالم الثالث ، وبدأت ازمة اقفال بعض المصانع نتيجة فقدان الغاز والكهرباء والطاقة ،وازمات مواد غذائية وصولا الى فقدان بعضها عن رفوف السوبرماركيات ، والى ارتفاع جنوني في بعض الاسعار، وارتفاع عام في معدل الغلاء، ومعه حكما ارتفاع بكلفة المعيشة ، بدا صراخ المواطنين واحتجاجاتهم في بعض البلدان مثل المانيا وبريطانيا وربما غيرهما ايضا على غلاء الاسعار وفقدان المواد الغذائية وارتفاع اسعار المحروقات الذي يلقي بضلاله على كل شيء .
رغم هذا الواقع المؤلم والمتدهور الذي ينبىء بتطورات مجتمعية سلبية ، واحتمال حراكات شعبية ما زالت خجولة، لكنها مرشحة للتفاقم ، فما زالت بعض هذا الدول تكابر وتساند الإستراتيجية الاميركية، رغم ادراكها انها هي من سيدفع الثمن ، وادراكها ان شعوبها هي من سيعاني ، لكنها ما زالت فاقدة الإرادة ومحجوزة القرار لصالح البيت الابيض الاميركي واستراتيجيته .
في هذا الوقت يبدو بوتن مرتاحا على وضعه، سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، بعد ان اصبح الدولار الذي كان يساوي ما يفوق المئة وخمسين واحيانا المئة وسبعين روبلا ، بات الآن يساوي ٦٤ روبل وهو رقم اعلى مما كان عليه السعر قبل الحرب .
انها معركة عض اصابع قاسية بين بوتن والغرب بانتظار من سيصرخ اولا ، الفارق بين الإثنين ان الأول يقود الحرب بذكاء ، بينما الغرب يقود الحرب بغباء .
2022-05-08