نقطة ضوء .
عقارب الساعة .
فريد العليبي
التسريبات سلاح يستعمل عادة في بلدان تحتدم فيها التناقضات والصراعات وتشهد أزمات ، وهي ليست حكرا على دول ضعيفة ، بل نجدها أيضا في دول قوية ، ولم تخل منها فرنسا وأمريكا وبريطانيا وروسيا على سبيل الذكر ، و هي تعني أيضا أن هناك تصدعات في بنية السلطة تتسرب منها معلومة سرية ، وهو ما يمثل خطرا عليها ، ومع وسائل التواصل الاجتماعي وجد هذا السلاح بيئة خصبة لسهولة انتشاره عبرها .
في التسريبات تتداخل عادة أطراف متعددة ، صاحب الكلمات أو الأفعال ، و المسرب والمسرب اليه والضحية المستهدفة ، والمستفيد القريب والبعيد ، وأحيانا يؤدي المسرب وظيفتين في نفس الوقت فهو الفاعل والمفعول به ، وقبل هذا وذاك هناك المعلومة والفكرة المسربة و الغاية الملمح اليها أو المصرح بها من وراء رواجها ، واذا كانت القوى المتناقضة سابقا تستعمل رئيسيا الاشاعة في الحرب والسياسة في مثل هذه الحالات فإن التسريبات حلت غالبا مكانها ، ولكن دون أن تلغيها.
وعادة ما تقلل الضحية من هول التسريبات ، بينما ينفخ أعداؤها في صورها للإجهاز عليها ويلعب هنا الاختراق والتضليل والتبخيس والتشكيك أدوارا مكملة .
وتسريبات نادية عكاشة ، الوزيرة ، مديرة الديون الرئاسي سابقا ، انما تندرج ضمن هذا المجال ، والاسئلة التي تطرحها كثيرة ، ومنها ما هدفها في هذه اللحظة؟ ما الرسالة التي يود أعداء قيس سعيد إيصالها للأمريكيين مثلا بالقول أنه كان سيطرد سفيرهم واعتباره شخصا غير مرغوب فيه ؟ هل لذلك علاقة بزيارة وزير الخارجية الروسي المرتقبة بعد أيام؟ هل أضحت جبهة الرئيس وجبهة أعدائه مستندتين إلى قوتين دوليتين هما الآن في أعلى درجات صراعهما.؟ لماذا تركز تلك التسريبات على أن سعيد مريض ومصيره سيء وأن له تناقضات مع عائلته.؟ هل يتعلق الأمر باتجاه إلى التخلص منه لاعتبارات صحية مما يعني أن الانقلاب ضده قيد الاعداد؟ حتى أن هناك من ذهب به الخيال الى مقارنته ببول دوشانيل الرئيس الفرنسي ” المجنون ” الذي خرج من نافذة قطار كان يمتطيه في سفر رسمي ، حافي القدمين وبملابس النوم ، وعندما التفت اليه حارس سكة الحديد سائلا إياه من أنت وماذا تفعل هنا ا؟ أجابه أنا رئيس فرنسا فكانت اقالته ثم موته بعد عامين جراء مرض نفسي عضال .
تتصف تلك التسريبات بخطورتها لأجل ذلك فتحت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة بحثا وتحليلا فنيا بخصوصها، وسوف تكون لها آثارها خلال الأيام وربما الأشهر القادمة ، ومن المرجح أن ما يفسرها فضلا عما سبق قوله هو المواعيد الاستراتيجية في خطة قيس سعيد وهو يسير بتونس نحو ما سماه جمهورية جديدة ، فالاستفتاء المرتقب يقترب بسرعة والانتخابات العامة أيضا وأعداؤه يخوضون سباقا ضد عقارب الساعة للحيلولة دون ذلك ، ومن ثمة تلقفوا تلك التسريبات بفرح وسرور فمصدرها امرأة اعتبروها صندوقه الأسود وهي من أعمدة 25 جويلية وأن كلامها صحيح ولا ترقى اليه ذرة شك ، ولم ينفع في تبديد يقينهم قولها أنه مركب .
وفي الاثناء سادت الحيرة في علاقة باختيار الرئيس هيئة أركانه ، علما أن هذه ليست المرة الأولى التي يقلب له فيها أعضاده ظهر المجن ، حتى أن بعضهم استقر به المقام في بيت أعدائه ، غير أن تلك الحيرة سرعان ما تتبدد عندما نعلم أن تلك ظاهرة عامة تعبر عنها حالة قيصر مع بروتيوس والمسيح مع يهوذا ، بل ان أعداء الرئيس أنفسهم لم يكونوا بمنأى عنها فقد تنكر لهم الأصحاب وشقوا عليهم عصا الطاعة أيضا . غير أن ذلك لا يعفي الرئيس من جزء من المسؤولية فعندما تكثر الحوادث في الطريق لا يجب لوم السيارة دوما وانما السائق أيضا .
من يعرفون نادية عكاشة يقولون عنها إنها مولعة بمداعبة القطط الصغيرة فتلك هوايتها ، وعندما انهمكت في ملاعبة القطط الكبيرة والسمينة وقعت بين مخالبها ، أما قيس سعيد المعروف عنه حذره وغموضه وحسن اختياره اللحظة المناسبة فيبدو أنه مرة أخرى أثبت للشعب كما لخصومه أنه يخوض معركة استثنائية هي بحق معركة تحرر وطني ، يتواصل فيها الانفجار الثوري من داخل قصر قرطاج نفسه ، وككل انفجار هناك ضحايا وشظايا ترافقه ، فهذا أمر موضوعي ، والأهم منه أن الشعب يتقدم واثق الخطو من خلال ذلك كله نحو أهدافه بحثا عن انتصاره الذي حلم طويلا به ، وهو الذي عليه دوما التدخل لجعل عقارب الساعة تدور لصالحه لا ضده .
2022-05-08