العقوبات والتفجير والاستغلال السياسي.. فصل من مُسلسل!
حمزة الخنسا
فجأة، ومن خارج سياق الأحداث المتعلّقة بتطوّع بعض المصارف اللبنانية لتطبيق العقوبات الأميركية على حزب الله وبيئته، هزّ انفجار “موضعي” مبنى الإدارة المركزية لبنك “لبنان والمهجر” في منطقة فردان في بيروت.
ليست “الصدفة” مَن شاء أن يكون البنك المستهدف، رأس الحربة في تنفيذ العقوبات الأميركية، والمُبالغ في تنفيذ ما تطلبه الإدارة الأميركية، وما لا تطلبه، في سبيل خنق جمهور المقاومة في لبنان.
إعلام فريق 14 آذار، ومنذ الدقائق العشر الأولى لبروز نبأ سماع دوي إنفجار في بيروت، إستحضر أدوات الإستغلال والتصويب السياسي. بدا المشهد وكأنه محضّر سلفاً، ويُنفّذ بدقة.
قبل أسابيع، أعلن وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والإستخبارات المالية آدم سزوبين، أنّ الولايات المتحدة الأميركية “تبذل جهودها بالتعاون مع شركائها حول العالم، في سبيل جعل حزب الله عاطلاً عن العمل”.
يتحدّث الأميركيون جهاراً عن أن جهودهم لتنفيذ قانون “مكافحة تمويل حزب الله دولياً” الصادر عن الكونغرس في العام 2015، أثمرت إغلاق 10 آلاف حساب مصرفي الى اليوم. تقارير صحافية أميركية كشفت أخيراً أن مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون تمويل الإرهاب دانيال غلايزر، حمل معه خلال زياته الى لبنان قبل أسبوعين لائحة جديد تضمّ نحو 100 إسم ممن تتهمهم الإدارة الأميركية بـ”تمويل حزب الله”.
سلّم غلايزر، اللائحة الجديدة الى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. قال الأميركيون إن سلامة “تعهّد باتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم”.
تفجير فردان
لُبنانياً، وجد قسم كبير من فريق 14 آذار ضالته في تتابع الأحداث.
المواجهة بين حزب الله والمصارف، وتالياً تفجير فردان. لا يُخفى على أحد الإرتخاء السياسي والشعبي الذي أصاب “تيّار المستقبل”.
الإرتخاء يلزمه خطاب مضاد لإعادة شدّ العصب. على الفور استغل سعد الحريري وكتلته النيابية الحدث للتلميح الى دور حزب الله “إعلامياً وفايسبوكياً” في تهيئة الظروف للجريمة!
شباب 14 آذار كانوا أكثر جرأة من الحريري وكتلة نوّابه. أعلنها الشباب بـ”حزم” خلال وقفة تضامنية أمام مصرف لبنان: “لن نسمح لمجموعة خارجة عن القانون اسمها حزب الله أن تهدّد مسار النظام المصرفي اللبناني وعلاقته مع النظام المصرفي العالمي”.
إذاً، استفاد فريق 14 آذار لـ”الماكسيموم” من التفجير، وصوّب سهامه وبوصلة المعركة باتجاه الهدف: حزب الله. غير أن وزير العدل أشرف ريفي، المستقيل من الحكومة ومن عباءة “المستقبل”، حدّد بوضوح الخطوط العريضة لمرحلة ما بعد تفجير فردان.
على عكس النائب وليد جنبلاط، الذي أبدى تخوّفه من العودة إلى مسلسل التفجيرات، كان ريفي كمن يعرف ماذا يقول.
طمأنَ ريفي الى أنه لا خوف من إنفجار أمني شامل في لبنان، موضحاً أن ما سيجري في المرحلة المقبلة سيكون “تحت السيطرة بإستثناء بعض الحوادث المتفرقة”.
هذه الحوادث المتفرقة التي بشّر بها ريفي، ستكون أدوات عمل المرحلة المقبلة من رحلة تنفيذ قانون العقوبات الأميركية على حزب الله وجمهوره، بالتعاون بين الولايات المتحدة الأميركية و”شركائها حول العالم”، كما سبق وأعلن وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والإستخبارات المالية آدم سزوبين.
لا تعكس اللغة الهادئة التي خرج بها بيان جمعية المصارف إثر اجتماع يوم الاثنين الماضي، ما يُحضّر للساحة اللبنانية في الكواليس الإقليمية. بعيداً عن “شطحات المتحمسين”، فإن عودة المصارف اللبنانية جميعها الى الإعتراف بآلية العمل التي حدّدها حاكم مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة في “الإعلام رقم 20” بشأن إقفال الحسابات أو عدمه، إشارة جيدة يمكن للمشتغلين على خط “التسوية” البناء عليها.
غير أن مصادر متابعة أبدت خشيتها من قرار سعودي محتمل يفتح الباب على توترات أمنية متنقلة في لبنان، على قاعدة “إشغال حزب الله وإلهائه”.
تربط المصادر الخطوة السعودية هذه، بالوضع الميداني المتردي للرياض على أكثر من جبهة. السعوديون كانوا واضحين في تحميل حزب الله مسؤولية هزائمهم المتكررة في المعارك المندلعة في سوريا واليمن والعراق. الأميركيون بدورهم، لا يؤمنون بأن “استراتيجية ضرب مالية حزب الله” وحدها تكفي.
خرجت أصوات وأقلام في واشنطن ترى ضرورة لأن يلي أو تتوازى جهود عزل حزب الله مالياً، مع استراتيجية فعّالة لإضعافه عسكرياً، وإلا لن يكون بالإمكان إعلان الفوز عليه.
من هنا، لا تستبعد المصادر وجود تنسيق إسرائيلي – سعودي – أميركي لتنفيذ خطة شاملة بدأت بحملة “شيطنة” عربياً – دولياً، تستتبع بحملة عزل مالي تحت شعار “تجفيف تمويل الإرهاب”، على أن تتوّج بحملة “قضاء على الإرهاب عسكرياً”. الخطة تبدو حالمة سعودياً. غير الأميركيين يبدون واقعيةَ أكبر.
يرى الأميركيون والإسرائيليون أيضاً، أنه لم يسبق لحزب الله أن كان أقوى عسكرياً مما هو عليه اليوم. نقلَ المحلل السابق في شؤون تمويل الإرهاب في وزارة الخزانة الأميركية ونائب مدير أبحاث “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” جوناثان شانزر، عن مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى قوله: إنّ “استخبارات تل أبيب تعتقد أنّ حزب الله أقوى من 90% من جيوش العالم، إذ تقدّر ترسانته العسكرية بـ150 ألف صاروخ أكثر تطوراً من الماضي”.
تحدّثت “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” عن “ترسانة حزب الله التي تشمل صورايخ أرض – جو محمولة على الكتف وطائرات من دون طيار وصواريخ مضادة للدبابات وأخرى مضادة للسفن ناهيك عن معدات عسكرية أخرى متطورة”.
كشف شانزر معلومة أسرّها له أحد المسؤولين الإسرائيليين، يمكن أن تُلخّص مصير “الحملات” الإسرائيلية – السعودية الأميركية المُحتَملة. أقرّ أحد المسؤولين الإسرائيليين سرّاً بأن قوة حزب الله هذه أجبرت المؤسسات الإسرائيلية العسكرية على إعادة النظر بالسياسة المتعلقة بالحفاظ على تطوّر المعدات والأجهزة العسكرية طويلة المدى.. اليوم، لم يعد الأمر سراً!
عن العهد
2016-06-16
