ترامب والمأزق المحتمل!
وليد عبد الحي
من الواضح ان الانتخابات النصفية للسلطة التشريعية الامريكية(الكونجرس) في نوفمبر القادم(بعد 53 يوما) تشكل نقطة انتظار في سياسات ترامب الداخلية والخارجية، وطبقا لاستطلاعات الرأي ،والتيار السائد بين الخبراء الامريكيين بخاصة ، فان نتائج هذه الانتخابات تسير نحو ما يلي:
اولا:مجلس الشيوخ: الوضع القائم حاليا هو أن للجمهوريين 53 مقعدا في مجلس الشيوخ، مقابل 45 للديمقراطيين، وهناك عضوان مستقلان لكنهما اقرب في توجهاتهما للديمقراطيين، مما يعني استمرار الفارق لصالح الجمهوريين(حزب ترامب) بحوالي 6 مقاعد ،وهو فارق ليس هينا، وهنا يبدو ترامب اكثر اطمئنانا.
ثانيا: مجلس النواب: هنا للجمهوريين 220 مقعدا مقابل 214 للديمقراطيين، وهناك مقعدان احدهما لعضو مستقل (لكنه يصوت غالبا مع الجمهوريين) وهناك مقعدان شاغران لم تجر الانتخابات الخاصة بولايتيهما(فلوريدا وتكساس).
المستقبل المحتمل :
نظرا للتراجع الشديد في شعبية ترامب(بين 30-34%) بسبب الاوضاع الاقتصادية والحرب مع ايران واستعداء اغلب حلفاء امريكا ،والخفة الاعلامية في تصريحات الرئيس ترامب ، فان المعطيات المتوفرة-دون يقين- تشير الى ان احتمال استعادة الديمقراطيين للسيطرة على مجلس النواب تتراوح بين 80-90%.
اما في مجلس الشيوخ ،فان حظوظ الديمقراطيين تبدو اقل مما هو عليه الحال في مجلس النواب، فهم بحاجة لاربعة مقاعد ليصبحوا هم الاغلبية(45 عضو+ مستقلان + الفوز ب4 مقاعد جديدة )، وتبدو حظوظ الديمقراطيين في بعض الولايات (كارولينا الشمالية عالية) لكنها في بقية الولايات تتراوح بين 40-50%، مما يجعل الامر صعب التوقع.
ثالثا: سلطة تشريعية منقسمة بسبب احتمال نسبي لسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب وبقاء سيطرة الجمهوريين في مجلس الشيوخ، وهنا تصبح المسألة اكثر تعقيدا امام ترامب على النحو التالي:
أ- إذا فاز الديمقراطيون في مجلس النواب ، فان الاوامر التنفيذية لترامب هي الاسلوب الوحيد ،لان مجلس الشيوخ سيعطل القوانين التي يراها ترامب ضرورية لسياساته.
ب- يسيطر مجلس النواب على موضوعات مالية حساسة، فالدستور يعطيه سلطة الشروع في مشاريع القوانين المالية والموافقة على الميزانية ، وهو ما سيعطل طموحات ترامب لتمويل مبادراته المالية او فرضه شروطا معينة على الانفاق في قطاعات معينة.
ت- قد يربك النواب ترامب من خلال تنشيط دورهم الرقابي بأن يفتحوا ملفات يسعى ترامب لطيها سواء اكانت ملفات مالية او جنسية او علاقات مشبوهة مع جهات خارجية (روسيا وتدخلاتها الانتخابية لصالحه)، وهو ما قد يخلق ارباكا شديدا للسياسة الداخلية والخارجية.
رابعا: سيتمترس ترامب وراء جدران مجلس الشيوخ (اذا احتفظوا باغلبيتهم) ، فمهما كانت التهم الموجهة لترامب في اي مجال فان عزله يحتاج الى موافقة “اغلبية الثلثين” من مجلس الشيوخ، وهو امر فيه صعوبة كبيرة جدا حتى لو انتقلت الاغلبية في المجلس بعد الانتخابات النصفية ليد الديمقراطيين، لان بلوغ الديمقراطيين اغلبية الثلثين لا يتوفر عليه ادنى الدلائل. كما ان حدود الديموقراطيين في عرقلة التعيينات التي يمارسها ترامب0(وهو امر متكرر بشكل واسع في ادارته) ستكون ضعيفة بقدر كبير حتى لو تمت العرقلة في حالات محدودة.
خامسا: لعل مساحة الهامش للرئيس الامريكي في عقد الاتفاقيات الدولية تجعله اكثر تحررا، فالاتفاقيات بخاصة التنفيذية لا تحتاج لموافقة الكونجرس ، وهو ما يمنح ترامب هامشا واسعا للحركة ولتكييف سلوكه ليكون اقرب للامر التنفيذي منه للتشريع، ومعلوم ان الامر التنفيذي هو توجيه يصدره الرئيس مباشرة للأجهزة التنفيذية(الادارة والوزارات المختلفة) دون المرور بالكونجرس لاخذ موافقته، مع التنبه الى ان القرار التنفيذي قد يكون معرضا للطعن القضائي إذا رفعت دعوى ضد الرئيس “لتجاوزه صلاحياته” في اوامرة التنفيذية.
ولكن كيف ينعكس ذلك كله على الحرب مع ايران:
في ظل ترجيح كونغرس منقسم ، سيعمل الديمقراطيون من خلال مجلس النواب(أذا حققوا فيه اغلبية محتملة) على تعطيل خطط ترامب ضد ايران لان الرئيس “لم يحصل على تفويض من الكونجرس لشن الحرب” ،وهو ما قد يقيد احتمالات الذهاب الامريكي للتصعيد، لان النواب الديمقراطيين سيركزون على تجاوز الرئيس صلاحياته الدستورية في استخدام القوة العسكرية. ولعل هذا يدفع ترامب الى الخيارات الاخرى التي له فيها مساحة اوسع للحركة مثل الخيارات الاقتصادية التي لا يلزم موافقة الكونجرس عليها في جوانب عديدة( مزيد من التضييق الاقتصادي والعقوبات).
وثمة ظاهرة اخرى ذات دلالة، فاغلب المرشحين الجمهوريين للانتخابات النصفية يتحسسون تراجع التأييد لترامب، وهو ما قد يدفعهم للقلق من ان تراجع شعبية ترامب قد تنعكس سلبا على احتمالات فوزهم في الانتخابات النصفية القادمة ،مما يجعلهم يبتعدون عنه بقدر كاف، وهو ما سيجعله اقل مغالاة في موقفه من ايران.
اما البجعة السوداء خلال الانتخابات النصفية فهي ان يخسر ترامب اغلبية الجمهوريين في المجلسين، وهنا سيجد نفسه مشلولا نصفيا، ويبدو ان اللوبي اليهودي بدأ يستشعر مخاطر هذا الاحتمال ، فمع تزايد تدريجي في موقف الرأي العام الامريكي الناقد بقوة “لتغول” اللوبي اليهودي والذي يلح على استمرار ضرب ايران تزداد مآزق ترامب مرة اخرى،ويبدو ان الروس يتعجلون “تعزيز موقف ترامب الداخلي” من خلال تسريع وتيرة ايجاد مخرج ما لترامب في اوكرانيا لعل حظوظه تتحسن ولو على حساب ايران، ويبدو ان اللقاء الصيني الروسي الايراني قبل ايام لم يكن جدول اعماله بعيدا عن كل هذه الملابسات..ربما.
2026-09-11