لماذا تركت دراسة الماجستير الالمانية؟
نزار رهك
شهادتي في الهندسة المعمارية لم تكن لتشبع رغبتي بالتحصيل العلمي و تعطشي للمعرفة خاصة في الاختصاص الذي أمضيت فيه العمر وهو السياسة والعمل الحزبي والجماهيري رغم نتائجه الكارثية والمحبطة والعتمة في المستقبل السياسي للعراق.
في المانيا كان لي الحق في التحصيل الدراسي العالي طالما أمتلك الدبلوم (البكالوريوس) المعترف به في البلد وأجادتي للغة وباي أختصاص اريده وقد استهوتني دراسة (الحوكمة) Governance و العولمة بنظرياتها الحديثة حينذاك قبل عشرون عاما . كانت المستلزمات كثيرة و المصادر الدراسية نادرة وغالية جدا ولا يسمح لخيارات أخرى غير المصادر المدرجة في قوائمهم وكانت تلال من الكتب والملازم المطبوعة في الجامعة و لها حصرية البيع والشراء. وكانت المناهج تتنوع بين الاقتصاد والفلسفة والتاريخ و علم الاجتماع و نظرية (الحوكمة الجيدة ) والعولمة والديمقراطية وتاريخها واسسها العلمية…الخ. كل ذلك كان بالنسبة لي جيدا وضروريا للتسلح الفكري في خوض مثل هذا المجال الاكاديمي ولكنني لم اكن اعرف ان الجامعة و الاختصاص كان مخصصا لتثبيت المبادئ الاستعمارية في التعامل مع بلدان العالم الثالث ومنه بلدنا العراق. في اول أمتحان لنا كانت الاسئلة تتمحور في المبادئ الاساسية التي يجب ان اجيب على اسئلتها وفق ما أعتقده وهذا ما لايسمح به ( لا حريّة تفكير ولا تعبير) رغم السمعة والنفخ في ديمقراطية وحريّة الغرب المزيفة. تذكرت ذلك عندما سمعت تصريحات عملاء الاحتلال من رؤساء مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وبعده علي فالح الزيدي بحماستهم للخصخصة و بيع البلد, كانت احدى النقاشات التي فرضتها في حينها عن مساوئ خصخصة شركة القطارات الالمانية التي جرّت وماتزال تجر البلد نحو الازمات و انهيار التنظيم الاجتماعي للاداء الاقتصادي, في الوقت الذي كان فيه الناس يضبطون ساعاتهم على دقة مسار القطارات الحكومية لان اوقاتها ودقة وصولها ينطلق من خدمة الدولة للمجتمع وحرصها على وصول العمال في اوقات عملهم لتدور عجلة الانتاج دون عوائق وبعد الخصخصة اصبحت لخدمة اصحاب رؤوس الاموال التي تتعامل وفق مبدأ الربح والخسارة وقد الغيت رحلات العديد من الخطوط والعديد من الخدمات و كلّفت المواطن الكثير من الوقت للانتقال من البيت الى العمل, و كانت المضاربات بين اصحاب القطارات وشركات السيارات على اشدها وبالضد من حاجات المواطن الذي يجب ان يكون متواجدا في عمله في الموعد المحدد الذي كانت شركة القطارات الحكومية مجبرة على ضمانه , لكن الشركات الربحية الخاصة غير مجبرة على ذلك اذا توفر لها القدرة على الاكثر ربحية من الاوقات المحددة.
هذه المضاربات بين اصحاب رؤوس الاموال (تعاونهم) يفرض على شركة القطارات في اوقات معينة تعطيل الخطوط وتاخير مواعيدها من اجل دفع المواطنين لشراء واستخدام السيارات الخاصة وواجب الحكومة تنظيم هذه المضاربات وهذه النقطة بالذات تذكرتها عندما صرح العميل علي الزيدي بان (على الدولة تنظيم ورعاية وحماية القطاع الخاص).
الحوكمة (الرشيدة) كما يسمونها هي السير قدما باتجاه إلغاء الدولة وتحويل خدماتها لايدي العصابات الاقتصادية للقطاع الخاص و انهاء السيادة الوطنية وإلغاء جغرافية البلاد وتحويلها نحو التقسيم الوظيفي الذي يخدم ماكنة الراسمال العالمي. الراسمالية في هذا الاتجاه قد استنسخت هذا الاتجاه من الماركسية _ اللينينية بنهاية الدولة كأداة قمعية في المرحلة الشيوعية المفترضة بعد نهاية المرحلة الاشتراكية والتي يسود فها المبدأ من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته وتطبيقاته ضمن وعي عملية الانتقال , رأى ماركس أن هذا الترتيب يصبح ممكناً فقط في مرحلة متطورة من الشيوعية، عندما تتوفر وفرة كبيرة في الإنتاج وتزول القيود الطبقية ووصول التنظيم الاجتماعي الى المديات القصوى من الوعي الذاتي للفرد والمجتمع في تسيير المهام التي تقوم بها الدولة. الرأسمالية في زمن العولمة تريد إلغاء الدولة لتسلم وظائفها وخدماتها بايدي القطاع الخاص وفي اطار مبدأ الربح والخسارة وليس من منطلق توفير الخدمات الاجتماعية للناس.
الحوكمة التي يراد فرضها على بلدان العالم ومنها العراق هي في سيطرة الرأسمال العالمي على كامل مقدراته الاقتصادية واعطاء اكثر ما يمكن اعطاءه للقطاع الخاص والراسمال العالمي من امتيازات لسلب الثروات الوطنية و المالية والتحكم في كل فعاليات الدولة ووزاراتها وسياستها الداخلية والخارجية. ومن هذا المنبع تلقى رؤساء وزرائنا كورساتهم الدراسية باتجاه ما يسمونه بالحوكمة الرشيدة وهي حوكمة الاستعمار الجديد .
كتبت اول رسالتي وكانت عن المؤسساتية في بناء الدولة ونموذجي العملي كان المدرسة كتنظيم خدمي صغير ضمن مؤسسة تربوية واسعة , وهذا لم يكن نقطة خلاف مع الاستاذ المشرف ورئاسة القسم وانما على اختياري للمصادر التي لا تتوافق مع توجههم السياسي في ان تكون المؤسساتية في الحوكمة دون وجود دولة تسيّرها وبنفس الوقت دون استقلالية عن العولمة الراسمالية و التطرق الى التقسيم الدولي للعمل خارج الاطار الاستعماري …. الخ. لم أكن بحاجة الى الشهادة الاكاديمية حينذاك وحتى الآن بل الى المعرفة الشخصية . لذا قررت الانسحاب من الدراسة الاكاديمية حفاظا على موقفي من الاستعمار والعولمة الامبريالية ولم اكن ومازلت الكتابة بغير قناعاتي. وكاذب من يقول ان في الغرب حريّة تعبير وحقوق أنسان والحياد في العلاقات الدولية. هذا الغرب هو نفسه من قاد الحروب الصليبية وصنع اسرائيل و قبلها النازية والفاشية و الماسونية والصهيونية و هو الاكثر كراهية لكل شعوب العالم خاصة شعوبنا العربية و الاسلامية ولا يرتجى منهم خيرا لانهم يأخذون فقط ولا يعطون شيئا, واذا أعطوا سيكون فقط من أجل مصلحتهم لاغير.
19/09/2026