كمال شاكر: رحيل يطوي كتاب الانتهازية وجريمة تقسيم الحزب الشيوعي العراقي!
نصير عادل
نتقدم بأحر التعازي لعائلة الفقيد كمال شاكر ولرفاقه، مع كامل التقدير لنضاله وتاريخه الشخصي؛ فنقدنا هنا ليس موقفاً شخصياً على الإطلاق، بل هو قراءة سياسية وفكرية لحقبة ونهج أثّرا في مسار الحزب الشيوعي وتأريخه المجيد.
بعيداً عن الهستيريا الجاهزة ومحاولات الترهيب التنظيمي، ودون الاستماع للطبّالين الذين يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة فيلجأون فوراً إلى استدعاء معجم التخوين والتهم الجاهزة واتهامي بالعداء للحزب؛ فنحن حين ننقد هذا التاريخ إنما ننطلق من الحرص المبدئي والواجب الأخلاقي الماركسي لتفكيك ظاهرة الانحراف وفضح السقوط الطبقي، لا للشفاتة أو الخصومة الشخصية.
تطالعنا وسائل الإعلام بخبر وفاة كمال شاكر (أبو سمير)، السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي الكردستاني، لتسارع بيوت الإقطاع القومي والعشائري في أربيل والسليمانية—وعلى رأسهم مسعود نيجيرفان ومسرور بارزاني—إلى رثائه والتغني بـ “خدماته الجليلة” كوزير متقاعد في حكومة الإقليم! وهنا يطرح السؤال نفسه بكل قوة وجرأة: هل كان هؤلاء الحكام سيعزّون ويُصدرون بيانات الرثاء لو كان المتوفى مناضلاً شيوعياً شريفاً يقود الاحتجاجات ضد جرائمهم وفسادهم، أم أن بيانات الثناء لا تُمنح إلا لمن ارتضى أن يكون جزءاً من منظومتهم؟ ورغم أن للموت حرمته، إلا أن التاريخ النضالي للطبقة العاملة لا يستحي من الحقيقة، ولا يغفر لمن جعل من يافطة الماركسية مجرد جسر لعبور السلطة والاندماج في منظومة الفساد العشائري.
لم تكن مسيرة كمال شاكر مجرد تجربة سياسية عابرة، بل كانت تتويجاً لـ الجريمة الكبرى التي تمثلت في انشطار وتقسيم الحزب الشيوعي العراقي الأممي على أساس قومي وإثني. لقد تشكّل ما يُسمى بـ “الحزب الشيوعي الكردستاني” كضرّية قومية ضربت المبدأ الطبقي والأممي لسلام عادل وفهد في مقتل؛ حيث قُسّم شغيلة العراق والعمال بين بغداد وأربيل، لِيُنسخ النضال الطبقي الموحد لصالح دكاكين إقليمية تابعة لإقطاع العشائر القومية.
لقد سار كمال شاكر تماماً على سُنّة سلفه عزيز محمد؛ حيث أحال الاثنان تاريخ الحزب الشيوعي وتضحيات شهدائه إلى بوابة للتقاعد الترفيهي بامتيازات درجة وزير من حكومتي بغداد وأربيل! وامتيازات كثيرة أيُّ هوانٍ طبقي هذا حين تنتهي مسيرة “المناضل” بامتيازات ومخصصات وزارية ضخمة يُدفع لها من كيس السلطة، في الوقت الذي يقبع فيه أكثر من نصف عمال وشغيلة العراق تحت خط الفقر والعدم، بلا ضمان صحي أو رغيف خبز كرامة؟!
لقد كان كمال شاكر النموذج الصارخ لما يؤول إليه هذا “اليسار القومجي” المزعوم:
على المستوى الحكومي: كان من أوائل الذين اندمجوا في السلطة الإقطاعية بتوليه منصب وزير الصحة والشؤون الاجتماعية في التشكيلة الحكومية الأولى للإقليم عام 1992، ليرسّخ خيار الارتماء في أحضان سلطة الإقليم والتحول إلى تقاعد وزاري فاره.
على المستوى الحزبي: هيمن على مقدرات “الحزب الشيوعي الكردستاني” كـ سكرتير للجنة المركزية طوال 12 عاماً متواصلة (من نيسان 2004 حتى المؤتمر السادس عام 2016)، تحوّل الحزب في عهده إلى مجرد دكان ذيلي ملحق بحكومات أربيل والسليمانية، ومجرد ديكور يُستثمر لتجميل وجه السلطة الوراثية، مقابل الحصول على فتات المناصب والاعتمادات الماليّة والصمت المطلق عن نهب ثروات كردستان وجرائم البارزاني والطالباني.
كيف لشيوعي يزعم تمثيل الفقراء والمحرومين أن يرتضي لنفسه تقاعداً بدرجة وزير في نظام يستنزف قوت الشغيلة، ويسرق رواتب الموظفين، ويراكم مليارات النفط والمهربات في حسابات العائلات الحاكمة، بينما يُزج بالمحتجين والناشطين الأكراد في السجون؟
إن رحيل كمال شاكر—بعد مسيرة انتهت من حلم الثورة إلى مقاعد الوزراء المتقاعدين في بلاط البارزاني—هو الدرس الأبلغ للقواعد الشيوعية والعمالية والوطنية؛ درسٌ يذكرنا بالمصير المخزي لكل من يساوم على الخط الطبقي المستقل ليشتري رضا العشيرة وصالونات الفساد.
يرحل الأشخاص وتفنى الأجساد، لكن التاريخ يكتب بمداد صريح لا يرحم: شتان بين من ينحاز للطبقة العاملة ووحدتها الأممية، ومن يختم حياته وزيراً وسكرتير حزبٍ حظي بأكاليل الزهور والثناء من حكام أربيل والسليمانية!
2026-09-19