كنعان مكية…!
علي رهيف الربيعي
والصيغ الأمريكية التي كانت ترد على لسان كنعان مكية، هي في حقيقتها العينية الملموسة ، جزء من ” المنظومة الفكرية المتكاملة التي تسعى لقبول الهيمنة الأمريكية، وإلى قبول إسرائيل باعتبارها أداة أساسية في عملية الهيمنة (1)، لذلك، كما تقول نشرة واشنطن في موقع وزارة الخارجية الأمريكية الإلكتروني، بلسان فيكي سلفرمان ، المحررة في النشرة، بتاريخ ٩ /١٠ /٢٠٠٢، فقد كان أحد الأعضاء الناشطين في ” فريق عمل المبادئ الديمقراطية المؤلف من. حوالي ثلاثين عراقيا ، يجتمعون ضمن ( مشروع مستقبل العراق) التابع لوزارة الخارجية الأمريكية (2)، وكانت وجهة نظره الفكرية والسياسية والأساسية المتعلقة بالدولة العراقية هي ” ضرورة تغير النظام في العراق “، عبر الغزو الأمريكي العسكري للعراق، وإقامة نظام فيدرالي فيه، وبناء عراق غير عربي (3).
ومن إنجازات مفاعل هذه الرؤية السياسية المضمرة، وغير المعلنة للجمهور العراقي أو العربي او الإسلامي، زار كنعان مكية كيان الاغتصاب الصهيوني عدة زيارات سرية قبيل الإحتلال ، مثلما زاره بشكل علني بعد الإحتلال الأمريكي المجرم للعراق، ومنحته جامعة تل أبيب شهادة الدكتوراه الفخرية، وهو الأمر الذي دفع الكاتب والاعلامي بلال الحسن ر للإستخلاص التالي : ” وهكذا يبدأ كنعان مكية من معارضة النظام العراقي وينتهي إلى ضرورة التخلي عن افكارنا وقيمنا ، وتبني القيم الليبرالية ( الأمريكية )، و التخلي عن فهمنا وتحليلنا للصراع العربي – الإسرائيلي ، وتبني قبول إسرائيل بالشروط التي تتطلبها ” المنفعة الذاتية (4)، ولكنها تظهر في النهاية على حقيقتها بأنها مسألة سياسية محورها دعوة للأستسلام (5).
وبقدر ما يتعلق برؤيته السياسية العراقية، وتصوراته للمستقبل العراقي، والتي هي الأساس، فعندما ( يحين أوان البحث في احتلال أمريكا للعراق” ولاحت بالأفق اللحظة المناسبة التي تمناها أو سعى إليها، وهي المؤرخة في الشهور العديدة التي سبقت العملية الكبرى، كان خلالها” يعتلي منصة المحاضرات في يوم ٣ / ١٠ / ٢٠٠٢ التي يوفرها معهد أمريكان إنتريرايز في واشنطن، وهو معهد معروف بتوجهاته الفكرية اليمينية المحافظة” بغية بحث العملية العسكرية لإحتلال العراق ، وما هي البدائل الذي سيؤول إليها وضعه المستقبلي ، كان العنوان الأساسي لذلك النشاط الفكري والندوة السياسية لتلك الرؤية الأمريكية الفكرية / السياسية هي مستقبل العراق السياسي” حينها كان كنعان مكية نجما بارزا في تلك الندوة، فهو الذي اعد البحث الخاص بالمستقبل، وكان البحث يرتكز على فكرتين اساسيتين هما : إقامة نظام فيدرالي في العراق ، ورسم هوية جديدة لعراق المستقبل خلاصتها انه عراق غير عربي “. عراق قائم بذاته. قال مكية في دراسته ” ليس ممكنا ان يكون العراق دولة ديمقراطية إذا لم يكن نظاما فيدراليا ” وقال : العراق يجب أن يكون لجميع أبنائه ، مما يتطلب ان يكون عراقا غير عربي”، وعلق بلال الحسن على ذلك بالقول : ” وقد إلتقط الإعلام، وبخاصة الإعلام الأمريكي، هاتين الفكرتين من بحث كنعان مكية المفصل ، وروج لهما على نطاق واسع” (6).
هكذا كان هذا” المنظور السياسي ” الذي جاء على لسان مكية،، وهو التعبير السياسي المكثف والمعبر عن الرؤية الصهيونية التي عملت عليها إسرائيل منذ الستينات على إنجازه ، وذلك عندما تحالفت مع القيادة السياسية للحركة الكردية بقيادة ملا مصطفى البرزاني والسافاك الإيراني الذي يشكل حجر الزاوية الأساس في السياسة الإيرانية الشاهنشاهية ، وبالإستناد إلى رؤية يذكرها الصحفي عبد الكريم ابو النصر، كانت في الحقيقة ندوتين، ندوة عسكرية تليها ندوة سياسية ” كانت فيها اللغة الصوتية الأعلى لكنعان مكية ، ولكنها مع ذلك خلصت، كما دعا احد الإستراتيجيين الأمريكيين إلى ” الحيلولة دون قيام عراق في المستقبل يلعب دورا قياديا في العالم العربي ، من خلال تقليص الجيش العراقي وقدراته التسليحية ” وهو ما برع بول بريمر في تنفيذ متطلبات الطموح الأمريكي الصهيوني بعد إنجاز عملية إحتلال العراق في عام ٢٠٠٣ (7).
المصادر :
(1) راجع كتاب بلال الحسن المعنون ثقافة و الاستسلام إصدار دار رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى ٢٠٠٥، بيروت، الفصل الأول المخصص لنقد آراء كنعان مكية، على الصفحة ١٩ – ٤٣، وستكون معظم المعلومات التي نوردها تعتمد اساسا على هذا الكتاب، وبعض المصادر الأخرى، بدرجة اقل.
(2) المصدر السابق، ص ١١ – ١٢.
(3)المصدر السابق، ص ١٥.
(4) المصدر ذاته ص ٢٤ .
(5) نفس الصفحة.
(6)المرجع السابق، ص ٣٠ – ٣١.
(7) راجع كتاب بلال الحسن المعنون ثقافة الاستسلام، مصدر سابق ذكره، ص٣٧
2026 /09 /18