العقلانية الأداتية في الخطاب الفلسطيني والعربي زمن الإبادة!
غانية ملحيس
ملخّص تنفيذي
يتناول هذا المقال نقد نمط مهيمن في الخطاب الفلسطيني والعربي المعاصر، برز بوضوح خلال الإبادة الجارية في قطاع غزة، ويتمثّل في استدعاء ما يُسمّى بـ«العقلانية الأداتية» لتقييم الفعل الفلسطيني في سياق استعماري إحلالي إبادي. ويجادل المقال بأن هذا النمط الخطابي، وإن قدّم نفسه بوصفه نقدا واقعيا أو عقلانيا أو إنسانيا، ينزلق – عن قصد أو دونه – إلى تحميل الضحية مسؤولية العنف الواقع عليها، عبر إعادة تأطير الإبادة بوصفها نتيجة «خيارات خاطئة»، أو «سوء إدارة»، أو «مغامرة غير عقلانية»، بدل فهمها كوظيفة بنيوية لمشروع استعماري استيطاني إحلالي.
يعتمد المقال مقاربة تحليل الخطاب النقدي (CDA) ذات البعد البنيوي – الاستعماري، التي تنظر إلى اللغة بوصفها حقلا لإنتاج السلطة والمعرفة، لا مجرد أداة وصف. ومن خلال هذا الإطار، يُفكّك المقال كيفية إنزال معايير «العقلانية»، و«الإدارة الرشيدة»، و«تقليل الخسائر» على واقع فلسطيني إبادي مغلق، جُرِّد فيه المجتمع الفلسطيني سلفا من شروط السيادة والحماية والفعل الحر، بما يحوّل النقد من مساءلة البنية الاستعمارية إلى محاكمة الضحية داخل شروط قهر لا تملك تغييرها.
يرتكز التحليل نظريا على مفاهيم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي (باتريك وولف)، والعنف الرمزي (بيير بورديو)، واستدخال سردية القوة (إدوارد سعيد)، والحياة العارية (جورجيو أغامبين)، والعنف البنيوي (فرانتز فانون)، ويطوّر هذا الإطار عبر دمجه بمساهمات فكرية عربية مركزية، ولا سيما نقد العقلانية الأداتية كما طوّره عبد الوهاب المسيري، ونقد مالك بن نبي لاختزال «القابلية للاستعمار» في بعدها الأخلاقي أو السلوكي، وتحليل هشام شرابي لمفهوم «الحداثة المشوّهة» بوصفه إدخالا لأدوات عقلانية حداثية دون تفكيك بنيتها السلطوية. في هذا السياق، يُظهر المقال كيف تتحول العقلانية الأداتية، حين تُفصل عن البنية الاستعمارية، من أداة تحليل نقدي إلى آلية ضبط معرفي تُعيد إنتاج التبعية ولوم الضحية.
تحليليا، يفكّك المقال ثلاثة نماذج خطابية مهيمنة في الخطاب الفلسطيني والعربي زمن الإبادة:
1. خطاب «القرار الخاطئ» الذي يعيد تفسير الإبادة بوصفها نتيجة سوء تقدير أو بطء قرار فلسطيني،
2. خطاب «البديل الممكن» الذي يطرح سيناريوهات افتراضية خارج القيود البنيوية للإبادة والحصار، ويُحمّل الفاعل الفلسطيني مسؤولية عدم اختيارها،
3. خطاب «الاستخدامية السياسية ولوم الضحية» الذي يُعيد تأطير المجتمع الفلسطيني بوصفه موضوع إدارة وخسائر قابلة للحساب، لا جماعة واقعة تحت الإبادة.
ويُظهر التحليل كيف تشترك هذه النماذج، رغم اختلاف لغاتها، في تعليق البنية الاستعمارية الإحلالية ونقل مركز السببية من الجلاد إلى الضحية.
كما يوظّف المقال تحليلا مقارنا مع حالتي الجزائر والسكان الأصليين في الولايات المتحدة الأميركية، لا لإجراء مساواة تاريخية بين السياقات، بل لإبراز ثبات الآليات الخطابية في الاستعمار الاستيطاني بشقيه الاستغلالي والإحلالي، ولا سيما آلية لوم الضحية، وتأطير الإبادة بوصفها نتيجة سلوك «غير عقلاني» للسكان الأصليين.
يخلص المقال إلى أن الإشكالية لا تتعلق بشرعية النقد أو ضرورته، بل بموضعه المعرفي ووظيفته السياسية في زمن الإبادة. فالنقد الذي يُنتَج من داخل أفق العقلانية الأداتية المنزوعة من سياقها الاستعماري لا يفضي إلى تفكيك العنف، بل يساهم في إعادة إنتاجه معرفيا. وعليه، يدعو المقال إلى إعادة تموضع مفهوم العقلانية نفسه داخل الخطاب الفلسطيني والعربي، بوصفه حقل صراع معرفي، لا معيارًا محايدًا، وإلى استعادة النقد بوصفه فعل تفكيك للبنية الاستعمارية الإحلالية، لا تصحيحًا لسلوك الضحية الواقعة تحت الإبادة.
31/1/2026